رمضان شهر الفتوحات الباهرة

إعداد وترتيب: أبو غلام الله

لقد نصر الله سبحانه وتعالى في شهر رمضان الكريم الإسلام وأعزّ المسلمين بانتصارات رائعة وفتوحاتٍ باهرة، فكانت فيه غزوة بدر التي ظهرت فيها قوّة المسلمين المعنوية وصلابة عودهم ومتانة عقيدتهم ونصر الله سبحانه وتعالى لهم، وكأنها كانت البشير بقيام دولة الإسلام الكبرى.

وبعدما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستقرّ الأمر بالمسلمين بها، رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكسر شوكة المشركين بضياع إحدى قوافل تجارتهم، فما إن بلغ علم الرسول أنّ مكة خرجت في تجارة كبيرة على رأسها أبو سفيان لم يسبق أن خرجت بمثلها مكة إذ اشترك فيها كل أهاليها، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، حتى خرج رسول الله في اليوم الثامن من شهر رمضان ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر من المهاجرين والأنصار يريد هذه القافلة وهي في طريق عودتها وبعد أن أتمّت تجارتها وتحققت أرباحها، وما إن علم أبو سفيان بما اعتزمه المسلمون حتى أرسل رسله إلى مكة يخبرهم بأنّ تجارتهم في خطرٍ ويطلب منهم الخروج للقتال في أكبر عدد يمكن أن يخرج، واستجابت قريش وجمعت رجالها وزوّدتهم بالمال والعتاد.

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه حتّى وصل وادي بدرٍ، ورابط في جانب الوادي القريب من المدينة، وكان المكان بعيداً عن الماء وبينهم وبين الماء أرضٌ رملية ناعمة تسوخ فيها الأقدام، وبعد أيام قليلة أحسّ المسلمون العطش واشتدّت حاجتهم إلى الماء، فاتّجهوا إلى رسول الله يسألونه الرأي، ويستنجدون به ممّا هم فيه، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى الله واتّجه ببصره إلى السماء، ودعا الله، وسأله الفرج، فأنزل الله تعالى المطر غزيراً حتى شرب المسلمون وجمعوا منه ما يكفي حاجتهم، بل وأصلح المطر المنهمر الأرض الرملية حيث تلبّد الرمل الناعم، وصلبت الأرض الرخوة فسهل على المسلمين السير إلى حيث بئر الماء، وما إن وقفوا للراحة حتى أنزل الله عليهم النّعاس، ونهضوا من نومهم في أفضل حالاتهم المادية والمعنوية.

واقتربت الكثرة الضالة بما لديها من عدّة وعتادٍ من القلة المؤمنة ذات الروح العالية والإيمان الصادق، ووضح للفريقين أنّ القافلة سبب هذا التجمّع قد سار بها أبو سفيان إلى ساحل البحر فنجا بها، ولكنّ الله جلّ شأنه أراد أن تلتحم القافلة المؤمنة بالكثرة المشركة، وأن ينتصر فيها الإسلام – على قلة عدد رجاله – حتى يعلم النّاس أينما كانوا أنّ الله مع المؤمنين، مهما قلّ عددُهم بنصّ القرآن الكريم الذي يقول: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)) القصص.

ونزل قول الله جلّ شأنه يخاطب المؤمنين ويأمرهم بالقتال دون تراجع أو تقهقر، ويبشّرهم بالنصر بالنصّ الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)) الأنفال.

ويقول سبحانه للمشركين: (إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)).

والتقى الجمعان صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من رمضان ورأى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفارق الكبير بين الاستعدادين، فالمسلمون أقلّ كثيراً من نصف عدد المشركين، وإن تميّز المسلمون بعقيدتهم وبشجاعتهم فإنّ الكافرين قد وضحت كثرة أسلحتهم وحسن تجهيزهم، فعاد صلى الله عليه وسلم إلى عريشه وهو مقرّ قيادته ومعه أبوبكرٍ رضي الله عنه، واستقبل الرسول القبلة واتّجه بقلبه ونسفه وروحه ووجدانه إلى ربه، وجعل يناشده ما وعده ويدعوه أن ينصر المسلمين ويعزّ الإسلام ويرفع راية الحق والدين، وجعل يقول: (اللهم هذه قريش قد أتت بخُيلائها تحاول أن تكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم فلا تُعبَد في الأرض).

ويقول له صاحبه أبو بكر: (يا نبي الله بعض مناشدتك ربّك فإنّ الله منجزٌ لك ما وعدك).

وفي لحظات راحته وهو في القبلة غشيه النّعاس ورأى خلالها نصر الله فخرج إلى المسلمين ليقول لهم: (والذي نفسُ محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجلٌ فيُقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنّة).

ونزلت الآيات المبشّرات بالنّصر في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (65) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)) الأنفال.

وهجم المسلمون على المشركين بقلوب ملؤها الإيمان واليقين، وبنفس قد هفت إلى الجنة، وتسابقوا في القتال كلهم يريدون الفوز بالعدوّ أو الاستشهاد في سبيل الله، ووقع المشركون قتلى وأسرى، وفرّت قيادتهم، وهربت جموعهم وقد تركت ذخيرتها وأسلحتها، وما إن مالت الشمس عن وسط السماء حتّى كانت المعركة قد انتهت بهزيمة المشركين هزيمة نكراء وقُتل منهم سبعون قتيلاً وأسر المسلمون سبعين كذلك، وأمّا الذين فازوا بالشهادة من المسلمين فكانوا أربعة عشر شهيداً، وغنم المسلمون كمّيات كبيرة من الزاد والعتاد.

نعم؛ هذه هي غزوة بدر الكبرى التي كانت إيذاناً بقيام دولة المسلمين، فقد ألقت نتيجتها الرعب في قلوب المشركين، وتحمّس المسلمون لنشر دينهم والجهاد في سبيله.

وفي شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة تمّ النّصر للمسلمين بفتح مكّة، فبعد غزوة بدر الكبرى، وقعت عدّة مناوشات واعتداءات بين المسلمين والمشركين الأمر الذي بسببه استقرّ رأي رسول الله أن يتجهّز لفتح مكة معقل الشرك والمشركين، فأرسل إلى المسلمين من أهل البادية ومن حوله من الأعراب أن يجتمعوا في المدينة مع أوّل رمضان، وفي العاشر من الشهر خرج صلى الله عليه وسلم على رأس عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار يقطعون الصحراء التي تردّد معهم في كلّ جنباتها “الله أكبر، الله أكبر”، وما إن وصلوا إلى مشارف مكّة حتى خرجت كلّ أهاليها وقد عقدت الدهشة ألسنتهم، ودخل الإسلام في قلوبهم، فقد وجدوا كثرةً على تقوى الله وتوحيده، كأنّ الملائكة ترفرف عليهم، والأرواح الطاهرة تتقدّمهم، وتصايح النّاس: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أحنى رأسه الشريف سجوداً وإجلالاً لله، دخل على ناقته دخول الدعاة المصلحين، لا الغزاة الفاتحين، دخل إلى الكعبة ليطهّرها من الأصنام التي حطّمها المسلمون والرسول يتلو قول الله: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً) الإسراء.

ووقف صلى الله عليه وسلم أمام الكعبة وقال: (لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، ثم أعلن العفو الشامل عن كل من أساء إليه وإلى المسلمين ما عد نفر قليل.

 

فيا أيها المجاهدون! اصبروا وصابروا ورابطوا، واستهدفوا المحتلين والعملاء في هذا الشهر الكريم، بقلوبٍ ملؤها الإيمان واليقين، وتسابقوا إلى جنان الخلد، وتسابقوا في صناعة البطولات والأمجاد، فلا يفلتوا من أيديكم حتى تهزموهم بإذن الله.

فهذا شهر النّصر، وشهر الفتوحات والأمجاد، اغتنموا ثوانيه ولحظاته الكريمة الميمونة، وحقّقوا النّصر الموعود، وأنقذوا المستضعفين من الرجال والنساء والأطفال الذين لم يبرحوا يرمقون بطولاتكم واستبسالاتكم.

فحيهلا وحيهلا إلى ميادين القتال والحتوف الحمر، فالأمة طالت استكانتها، وطال احتلال المحتلّين وخيلاؤهم وجبروتهم.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق