لماذا اضطرّت أمريكا إلى المفاوضات المباشرة؟

أبو صلاح

لقد كان عام 2001م، عام جنون أمريكا وغطرستها حيث قادت حرباً ضروساً على أفغانستان من أجل القضاء على الإمارة الإسلامية، وذلك بعد أقل من شهر على هجمات 11 سبتمبر، وحشدت لهذه الحرب جيوشاً من مختلف دول العالم وعلى رأسها قوات حلف الناتو. وبعد مرور أكثر من 18 عاماً على تلك الحرب، أدركت الحكومة الأمريكية أهمية التفاوض مع حركة طالبان والخروج بمعاهدة سلام تضمن لها ماء وجه إن كان بقي منه شيء.

وهكذا غرقت الولايات المتحدة في المستنقع الأفغاني وتجد الآن نفسها وحيدة في أفغانستان، وقد تواصل الغوص في هذا المستنقع ما لم تقتنع بأن الحل يكمن في الجلوس على طاولة الحوار مع طالبان، وفي تحديد جدول زمني للانسحاب، وباتت الآن كالغريق يتشبث بكل حشيش، وتذعن لشروط الطالبان يومًا إثر يوم بعدما كانت في يومٍ من الأيام ترى الجلوس مع الطالبان عارًا وقبحًا.

وعن ملف المفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة، قال تيسير علوني، المراسل الحربي المخضرم بقناة “الجزيرة” القطرية، في حديث مع أحد المواقع: إن “زلماي خليل زاد يبدو أنه مكلفٌ بمهمة محددة، وهي تحقيق الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بأقل الخسائر السياسية الممكنة، لكن هذا الهدف صعب المنال، ولا بد لواشنطن من الانصياع لمطالب حركة طالبان وتقديم تنازلات جوهرية، على رأسها وضع جدول زمني قصير للانسحاب، مع حد أدنى من التدخل في المستقبل السياسي للبلاد”.

وأكّد علوني: “لا شك في أن مجريات عملية التفاوض الطويلة تمثل هزيمة مدوية للأمريكيين سياسياً وعسكرياً، فبعد تصنيفهم الحركة بأنها إرهابية، ووعيد القادة الأمريكيين بسحقها (تصريحات رامسفيلد وديك تشيني وجورج بوش 2001)، ها هم يُوفدون مبعوثاً خاصاً إلى مقر المكتب السياسي لـ(طالبان) في الدوحة، ليجلس مع هؤلاء (الإرهابيين) ويتفاوض معهم بمستوى الند للند”.

ولا شك أيضاً، يضيف الصحفي، في أن “خليل زاد مكلفٌ بالخروج بصيغة تحفظ ماء وجه أمريكا بعد عجزها عن تحقيق نصر عسكري على (طالبان)، بحيث تتمكن واشنطن من القول لمواطنيها إننا خرجنا من هذا البلد بعد تأسيس نظام سياسي جديد، أو إننا ببساطة تركنا شيئاً ذا قيمة بعد خروجنا، لذلك يصر خليل زاد على فرض صيغة الحكم في أفغانستان بعد الانسحاب ومستوى مشاركة (طالبان) في هذه الصيغة، لكنه يدرك أنه إذا انسحبت القوات الأجنبية من أفغانستان فسيصبح نظام الحكم شأناً داخلياً يتحكم فيه الأقوى، وهو حركة طالبان”.

وعن المفاوضات بوجود أحد كبار قياداتها، أكدالعلوني أن “المسار التفاوضي الحالي مرشح للاستمرار وربما لتحقيق نتائج حقيقية، بسبب إدراك الأمريكيين أن وجودهم في أفغانستان أصبح عبئاً ثقيلاً مع نزف الدماء والموارد المستمر (يقال إن تكلفة التدخل الأمريكي بلغت حتى الآن ما يزيد على تريليون دولار مع نحو 4 آلاف قتيل أجنبي وعشرات الألوف من الجرحى والمعاقين)، وأيضاً بسبب عقلية (الرئيس الأمريكي) ترامب التجارية التي يحسب من خلالها الأرباح والخسائر الآنية بغض النظر عن الأهداف الاستراتيجية”.

ويتابع قائلاً: “اتضح له (ترامب) أنّ تدخل بلاده في أفغانستان كان خاسراً. والسبب الآخر يعود ربما، إلى تعيين أحد قادة الحركة التاريخيين، وهو الملا عبد الغني برادر في منصب نائب قائد الحركة للشؤون السياسية ورئيساً لمكتبها السياسي في الدوحة، ونظراً إلى موقعه القيادي المتميز، أدرك زلماي خليل زاد أن الحركة جادة في التفاوض، وأنه يمكن تحقيق نتائج كبيرة، لأن الملا برادر صاحب قرار حقيقي، وقد لا يكون بحاجة إلى استشارة قيادته في كل القرارات التي يتخذها”.

فلم يزل الطريق مفتوحًا أمام أمريكا إن استغلت الفرصة ولم تضيّعها بترويعات بعض الجنرالات الزائفة الذين يخافون من أن يخسروا تجارتهم إذا رحلوا من أفغانستان في الحرب الدامية التي لا ناقة فيها للشعب الأمريكي ولا جمل، إنّما هي مصالح بعض الشركات والجنرالات ومنافعهم كي يسرقوا ملايين بل والمليارات التي تزخ لإعمار أفغانستان والإنفاق فيها، فتخرج فور مجيئها إلى أفغانستان إلى البلاد الأجنبية كي تدخل جيوب هؤلاء السماسرة، ولكي لا يخسروا الأرباح العائدة من الهيروين التي تملأ جيوبهم الآن.

وفي الحقيقة إنّ الحرب الأمريكية في أفغانستان تجارة رابحة لهؤلاء السماسرة وصنّاع الحروب، فهل يعقل ويعي عقلاء أمريكا هذا الأمر إن كان فيهم عقلاء؟

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق