هل تغني كثرة الصلاة والصيام وفعل الخيرات عن الجهاد ؟

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعد

هل تغني كثرة الصلاة والصيام وفعل الخيرات عن الجهاد ؟

 

توطئة

شَرَعَ اللهُ الجهادَ في سبيله ليكون سيفًا يُدافِع به المسلمون عن دينهم وأنفسهم وحرماتهم، وهذا ما يسميه علماء المسلمين بجهاد الدفع والذي أجمعوا بوجوبه  على كل مسلم كل بحسب قدرته، وكل من تركه فهو آثم إلّا الذين عذرهم الله بسبب عجز قاهر منعهم من ذلك.

وكذلك شَرَعَ الله الجهاد ليكون سيفًا مسلطًا على كل من رفض الإسلام وتكبر عليه، حتى تعلو كلمة الله على كل كلمة ويعلو دين الله على كل دين، قال تعالى: “وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه..”. وهذه الحالة يكون الجهاد فيها فرض كفاية لو قام به بعض المسلمين سقط عن الباقي، وهذا يكون في حال كانت للمسلمين دولة قوية وأرادوا نشر دين الله حتى يسود البلاد ويخضع إليه الناس-مسلمهم وكافرهم- كل حسب أحكامه وشرائعه، فإنه إن اعترضهم أحد ومنعهم من مواصلة ذلك وجب إبعاده بالحكمة والنصيحة والرفق فإن رفض وجب إبعاده من طريق الدعوة بالجهاد في سبيل الله. هذا بشكل عام وهناك تفصيل ليس هنا  مكانه لأنه ليس المقصود من الموضوع.

 

القتال في سبيل الله فريضة يجب القيام بها وإن كرهتها النفس وهابتها

قال الله تعالى: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون”. فالمطلوب من المسلمين هو الاستجابة لأوامر الله والقيام بما فرضه عليهم وإن كانوا يرون أن في هذه الأوامر الهلاك والخراب فإن الله هو الذي يعلم بخفايا الأمور وعواقبها ومآلاتها ونحن لا نعلم، فربما ما نراه خيرًا يكون عكس ذلك في حقيقته وربما ما نراه شرًا يكون عكس ذلك في حقيقته. والله الموفق.

فبالقتال يدافع المسلمون عن دينهم ليكون هو الأعلى و الأعز بين الأديان و الأمم و في كل مكان، فإن من حكمة الله تعالى وسننه في خلقه أن جعل له أعداء من المجرمين يحاربون الإسلام ويعملون على إذلال رايته وأهله، قال تعالى: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً”، وهذه سنة الله في خلقه قبل نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام حين قص ما يحدث معه على ورقة بن نوفل رحمه الله، قَالَ لَهُ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الَّذِى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا لَيْتَنِى أَكُونُ حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« أَوَمُخْرِجِىَّ هُمْ ». قَالَ : نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِىَ وَإِنْ يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا”. فعداوة الكفار للإسلام وأهله قديمة متجددة لا يمكن إيقافها وتحجيمها إلا بقتال القائمين عليها وهزيمتهم والتشريد بهم من خلفهم. قال تعالى: ” فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ”. فالله تعالى قادر على هزيمة الكافرين بل وإهلاك كل مَن يسيء للإسلام والمسلمين ولو بكلمة، ولكن الله تعالى أجرى سنته على هذا النحو ليبلو الناس بعضهم ببعض، وليتخبر المؤمن الحق من ضعيف الإيمان الذي يعبد الله على حرف، وليرفع كل مسلم لمنزلته التي يستحقها في جنات النعيم، ولِيُنزِل عقابه وعذابه بكل تارك لفريضة الجهاد.

ترك الجهاد كبيرة قد تُلْقِي بصاحبها في جهنم

حديثي هنا عن جهاد الدفع والذي ينطبق على حال المسلمين اليوم، كما أنني أؤكد على أن الوجوب بحسب المقدرة والاستطاعة. مع مراعاة لوازم الانحياز في كثير من الأوقات، فالانحياز جائز بل قد يكون واجب أحيانًا. أما القعود فلا يجوز أبدًا مهما حاول القاعد التغطية على جبنه وتقاعسه عن القتال ونصرة الإسلام والمسلمين.

مِن الأخطاء التي شاعت وانتشرت بين المسلمين هي الاستهانة بترك القتال في سبيل الله دفاعًا عن الدين أو الأهل والوطن أو عن الجميع معًا، والتهرب من هذه الفريضة التي يأثم تاركها في زماننا إثمًا عظيمًا بل إن تاركها مرتكب كبيرة ومصرٌّ على ارتكابها وربما لا يدخل الجنة بسبب ذلك، وإن حاول أن يغطي ذنبه العظيم هذا بكثرة الصلاة والصيام والصدقة والإحسان فإن هذا لن ينفعه لأن القتال في سبيل الله فريضة مستقلة كالصلاة لا يسد مكانها الإكثار من التعبد بأي فريضة غيرها، فكما أنه معلوم أن كثرة القتال في سبيل الله و الصيام لا تُسقطان وجوب الصلاة فكذلك إن كثرة الصيام والصلاة لا تُسقطان وجوب القتال في سبيل الله، وهذا ثابت بكل وضوح في حديث ابْنَ الْخَصَاصِيَةِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ والذي حدثنا به عن نفسه فقال: “أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأُبَايِعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ فَاشْتَرَطَ عَلَىَّ: « تَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَتُصَلِّى الْخَمْسَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتُؤَدِّى الزَّكَاةَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ وَتُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ». قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا اثْنَتَانِ فَلاَ أُطِيقُهُمَا أَمَّا الزَّكَاةُ فَمَا لِى إِلاَّ عَشْرُ ذَوْدٍ هُنَّ رِسْلُ أَهْلِى وَحَمُولَتُهُمْ وَأَمَّا الْجِهَادُ فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَنْ وَلَّى فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ فَأَخَافُ إِذَا حَضَرَنِى قِتَالٌ كَرِهْتُ الْمَوْتَ وَجَشِعَتْ نَفْسِى قَالَ فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ ثُمَّ حَرَّكَهَا ثُمَّ قَالَ: « لاَ صَدَقَةَ وَلاَ جِهَادَ فَبِمَ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ ». قَالَ ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبَايِعُكَ فَبَايَعَنِى عَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ”. فالصحابي هنا يقول للنبي عليه الصلاة و السلام، أعذرني من الجهاد فأنا لا أقدر عليه وبَرَّرَ ذلك بأنه يخاف أن يفر من المعركة فيكون قد ارتكب كبيرة فيعذبه الله عليها، وكذلك بَرَّر بأنه لا يملك إلا بعض المواشي فيخاف أن يقل منتوجها لو تصدق بما فرضه الله عليه وتعجز عن حمله لقضاء لوازم الحياة، فلم يقبل ذلك منه النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: “لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة؟”. إذن فالحكم الشرعي ثابت وواضح كما في الحديث أن ترك الجهاد في سبيل الله في حال وجوبه كما حالنا اليوم كبيرة عظيمة عند الله قد تهلك صاحبها وتمنعه من دخول الجنة كما في الحديث.

 الخاتمة

اعلم أخي أن الدفاع عن الدين أو النفس أو الأرض أو العرض كله مطلوب منك شرعًا ولا يجوز لك ترك ذلك جبنًا أو بخلًا، واعلم أن مغفرة الله ورحمته لا تمنع سخطه وغضبه وعذابه إذا تهاون المسلم في الواجبات الشرعية أو بعضها، ولذا وجب القيام بأمر الله تعالى والنفير للجهاد في سبيل الله دفاعًا عن الإسلام والمسلمين فإننا اليوم في حالة جهاد دفع والتي توجب المشاركة في القتال على كل مسلم قادر والوجوب هنا على قدر المستطاع فإنه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه/ الباحث في الشئون الشرعية والسياسية

تيسير محمد تربان

فلسطين – غزة

 

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق