أدوات العدوان الأمريكى في مرحلة ترامب: الهيروين، والمرتزقة، والقادة المتحولون.

أ. مصطفى حامد

 

■ حكمتيار نموذجاً للمتحولين: من قاتل بالجملة.. إلى مناضل نسوى.. وأخيراً “حمامة سلام” !!.

■ حقوق المرأة تستخدم كمسحوق للغسيل السياسي وتبييض سيرة المنحرفين والمجرمين، ومن ثم تبرئة الإحتلال واتهام الإسلام.

■ الزعيم “حمامة السلام”: يحمل الفتنة العرقية في يد.. والفتنة الطائفية في اليد الأخرى.

■ رد الشعب على القادة المتحولين: فردة حذاء في وجه الزعيم.

 

لا تجرؤ أمريكا على التصريح بحقيقة نواياها في أفغانستان، فهي دائما تصبغ أعمالها الإجرامية بطلاء من الإدعاءات الأخلاقية الكاذبة والدعايات البراقة.

أفغانستان واحدة من أكبر ساحات الإجرام الأمريكي والسياسة غيرالأخلاقية المعادية لجميع البشر، وللمسلمين منهم بشكل خاص.

تسحب أمريكا حلف الناتو خلفها، ثم تدفعه ليكون في طليعة مغامراتها العسكرية، بما لا يناسب أمن ولا مصالح الدول الأوربية، خاصة في حرب أفغانستان الممتدة منذ 16 عاما، والتي لا توجد أي مصلحة لأوروبا في خوض غمارها سوى إنصياعها للإبتزاز الأمريكي إقتصاديا وأمنيا.

وتحت الضغط فإن الدول الأوربية المشاركة في حلف الناتو تجد نفسها مطالبة أمريكيا برفع عدد قواتها مرة أخرى في أفغانستان لتصل إلى خمسة آلاف جندي بعد أن كانت قد خفضتها إلى ما يقرب من نصف ذلك العدد بعد عام 2014. بل إن تلك الدول مطالبة أيضا بزيادة إنفاقها العسكري عموما، وفي ميزانية حلف الناتو خصوصا. وعملياً تريد أمريكا من أتباعها الأذلاء في الحلف أن يتولوا الإنفاق على القوات الأمريكية المشاركة فيه، والإنفاق على المغامرات التي تورط أمريكا الحلف فيها. على غرار ما يحدث في أفغانستان أو على غرار ما يحدث مع روسيا من تصعيد للحرب الباردة معها، وتوتير أجواء الأمن في أوروبا بما يضع مزيداً من الأعباء الإقتصادية على دولها ويزيد من إعتمادها على المظلة العسكرية الأمريكية، النووية وغير النووية.

الأمين العام لحلف شمال الأطلنطى، وهو مثل شقيقة الأمين العام للأمم المتحدة، كلاهما موظف أمريكي قبل كل شيء، ويمثل السياسة الأمريكية قبل أن يمثل المؤسسة التي يعمل فيها. (ستولتنبرج) أمين عام حلف الناتو يقول أن تكلفة الإنسحاب من أفغانستان ستكون أكبر بكثير من التكلفة البشرية والمالية للمهمة نفسها.

هذا الكلام صحيح بالنسبة للولايات المتحدة التي تستثمر حوالي خمسة آلاف طن من الأفيون المزروع في أفغانستان، لتصنيع هيروين يكفي لإحتياجات جميع المدمنين والمتعاطين حول العالم. ثم يتبقى قدر من الإحتياط للطوارئ السياسية (!!) و للسنين العجاف الآتية بعد الإنسحاب. فماذا تستفيد دول حلف الناتو من ورطتها العسكرية في أفغانستان؟. إنها مطالبة دوما بزيادة عدد قواتها وزيادة إنفاقها على الحملة العسكرية. أما الفتات التي تحصل عليه من كنوز الهيروين وباقي الغنائم الإقتصادية من أفغانستان فهو أقل بكثير مما تنفقه من مال ودماء. فأمريكا لا تفرط في شيء من جوائز الحرب سوى لرفاقها (البروتستانت).

 

إرهاب وفوضى.. من أين؟؟

في حديثه المتناقض ــ بعد إجتماعات للجمعية البرلمانية للحلف إستمرت أربعة أيام في رومانيا في أوائل أكتوبر 2017 ــ قال (ستولتنبرج) أن أفغانستان لم تعد ملاذا آمنا للإرهابين الدوليين. ويقول أيضا: (نحن في أفغانستان لحماية أنفسنا). ثم يقول: (إن أفغانستان سوف تنزلق إلى الفوضى وتصبح ملاذا للإرهابيين الدوليين في حالة إنسحاب الناتو منها).

ــ فإن كانت أفغانستان خالية من الإرهابيين الدوليين، فما هو التوصيف المناسب لقوات حلف الناتو نفسها، وهي تمارس قتل المدنيين يوميا، بلا سبب سوى إرهابهم للتوقف عن مقاومة الإحتلال ودعم المجاهدين؟

ــ وأيضا.. ما هو توصيف الآلاف من المرتزقة الدوليين الذين تتعاقد معهم أمريكا والناتو لتحمل أعباء الحرب البرية في أفغانستان، بديلاً عن القوات المرفهة القادمة من أمريكا وأوروبا، والتي لا تجيد سوى قتل المدنيين وتعذيب الأسرى؟

ــ وأيضا.. كيف ينظر الحلف إلى إستراتيجية ترامب الجديدة، القاضية بخصخصة حرب أفغانستان، وتحويلها بالكامل إلى مقاولة قتل جماعي تتولاها شركات المرتزقة العالمية؟

ــ وما هو تقييم الحلف للإستراتيجية التي وضعها الملياردير (برنس)، الأب الروحي ومؤسس شركة (بلاك ووتر) سيئة الذكر، والتي يبدو أنها الاستراتيجية الحقيقية التي تبناها ترامب، وتقضي بتكرار تجربة شركة الهند الشرقية الإستعمارية التي إستمرت منذ بداية القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر، فاستعبدت الهند وحطمت الصين معتمدة على تجارة الأفيون وقوات المرتزقة والقادة العملاء. وهو نفس الثلاثي الشيطاني الذي يجري التركيز عليه في أفغانستان حالياً.

ــ وإذا كانت أمريكا وحلف الناتو ليسوا بصدد حملة تقليدية من الطراز الإستعماري القديم، فمن أين استوردوا سياسة (فرق تسد) التي كانت دستور شركة الهند الشرقية البريطانية في إستعمارها وحكمها للهند لقرون عديدة. أوليست هي نفس السياسة التي يطبقها الحلف في أفغانستان حاليا؟، وتطبقها أمريكا والغرب في كل بلاد المسلمين التي نزلت فيها قواتهم، إما كغزاة مباشرين مثل سوريا والعراق، أو كحلفاء لهم قواعد عسكرية في بلدان (صديقة) يحكمونها بشكل شبه مستتر؟

ــ وإذا كانت أمريكا والناتو يحاربون (الإرهاب الإسلامي)، فمن يرعى زراعة داعش في أفغانستان؟ ولماذا إستوردوا من باكستان (الزعيم الأصولي) حكمتيار الذي يدعم تواجدا فاعلا للتنظيم التكفيري الفوضوي، ويمده بالأوباش المقاتلين، وبالقواعد والخبرات، ويجهز له البرامج الدموية؟

ــ ولماذا تساهم حكومة كابول في ذلك البرنامج بشخص (رئيس الدولة نفسه) ومعه مستشاره الأمني؟.بينما مروحيات الجيش الباكستاني تذهب وتجيء وهي تنقل أوباش معسكر”شمشتو” من عصابات حكمتيار السابقين، وبرفقتهم الأسلحة والأموال، والجنرالات العظام ؟

 

■ إن أمريكا وحلف الناتو يؤسسون لمرحلة جديدة من الإرهاب الدولي المنظم عماده الشركات الدولية للمرتزقة، وإلى جانبهم العملاء المحليين. ليسوا فقط عملاء ذوي صبغة إجرامية بحتة مثل (عبد الرشيد دوستم) رجل الميليشيات وخادم الإستعمار في جميع العصور، من السوفيتي إلى الأمريكي. وليسوا فقط من قادة ميليشيات السفاحين ومطاريد القبائل، ولكنهم شخصيات ذات صبغة إجتماعية مرموقة ــ أو كانوا كذلك في وقت ما.

في مقابل السيد (برنس) الملياردير مؤسس الإرهاب الإرتزاقي الدولي، المساند لجميع المغامرات الاستعمارية لبلاده، يوجد على النطاق المحلي السيد (حكمتيار) وهو أيضا (برنس) جهادي سابق. عمل في الإرتزاق القتالي منذ صدر شبابه إلى أن تطورت أعماله وصار قائدا لتنظيم شاسع الأرجاء، تخصص في القتال الداخلي، وتسعير الفتنة العرقية بين البشتون والطاجيك من بداية الحرب السوفيتية وحتى مرحلة (حكومة المجاهدين) بقيادة مجددي ثم رباني، حيث تحول حكمتيار إلى قتالهما معا إضافة إلى قتاله للشيعة تحت شعارات هتلرية تنادي بالاستئصال الكامل. ثم تبدلت تحالفاته مراراً، فليس للزعيم الأصولي أي مبدأ ثابت سوى مصلحته الشخصية، وشغفه القاتل بالزعامة.

ــ القادة (الأصوليون الثلاثة) للأحزاب الجهادية في حقبة الحرب السوفيتية ظهرت عمالتهم للغزو الأمريكي. ولم يكن ذلك إنحرافا في مسيرتهم “الجهادية”، بل كان متجانساً مع عمالتهم للأمريكيين منذ البداية، لأنهم كانوا يحاربون السوفييت في أفغانستان نيابة عن الولايات المتحدة. وعندما وصلت الجيوش الأمريكية، خانوا شعبهم جهارا بعد أن خانوه سراً ـ ووقفوا في طليعة قوات الغزو، وقادوا أتباعهم على طريق الخيانة، فتكونت منهم ميليشيات تحارب الشعب المجاهد. وأسفر واضحا الوجه الحقيقي للقادة (الأصوليون) الذين طالما إختالوا بإنتمائهم الإخواني.

فكبيرهم (سياف) وظف نصيبه من البلاغة والعلم الأزهري لإصدار الفتاوى ضد المجاهدين مطالبا بشنقهم علنا على أبواب كابول!!

وأكبرهم سناً (رباني) إستفاد من علمه الأزهري أيضا، وطالب بنبذ العنف وترك السلاح والتمسك بالسلام ووحدة الصف (في ظلال الإحتلال) وليس في (ظلال القرآن) التي كتب عنها سيد قطب. وبمعنى آخر يقول رباني لشعبه أتركوا الجهاد يترككم المحتل الأمريكي تعيشون بسلام. وبصياغة أمريكية فإنه يقايض الأمن بالحرية. ويعمل الأمريكيون بكامل طاقتهم لإقناع شعب أفغانستان وحركة طالبان بالتخلي عن حريتهم للإحتلال في مقابل أن يعيشوا بسلام تحت رايته الفاجرة. ولم يذكروا لضحاياهم من الشعوب ما قاله أحد مؤسسي الدولة الأمريكية من أن (هؤلاء الذين يضحون بالحرية في مقابل الأمن لا يستحقون أيا منهما ).

وهذا حرفيا ما تصنعه أمريكا بالذين يضعون السلاح ويتوقفون عن مقاومة غزوها ليعيشوا تحت ظلها المباشر أو تحت ظل عملائها، بلا حرية وبلا أمن. وحال الكثير من الدول الإسلامية يشرح تلك الحقيقة بكل وضوح.

سياف وحكمتيار ورباني هم من العبر التاريخية، التي ينبغي أن يستوعب دروسها المسلمون كافة لتفادي مأزق القيادات العميلة المخادعة، والتي تتاجر بالدين وقضايا الشعوب، فتحول الدماء إلى مكاسب شخصية من مال وشهرة ونفوذ.

حكمتيار الذي وصل إلى ساحة العمل المباشر في خدمة الإحتلال بعد عدة سنوات من وصول زميلاه (سياف ورباني)، نراه يعوض ما فاته عن طريق بذل المزيد من الجهد في الإفتاء لصالح الإحتلال وضد الجهاد، ثم الخطابة ضد المجاهدين وحركة طالبان. حتى قدم مالم يقدمه الأوائل، بأن لعب ورقه داعش التي هي من أهم الأوراق على ساحة السياسة الدولية والحروب الأمريكية العابرة للقارات.

 

حقوق المرأة..مسحوق للغسيل السياسي:

ورقه أخرى يلعب بها الزعيم ـ وقد تكون الأخيرة ـ وهي ورقة ” الجهاد النسوي” والكفاح من أجل حقوق المرأة (!!). قد  يكون ذلك غريبا على شخصية عدوانية مثله عُرفت بنهج التآمر والإغتيالات واسعة النطاق. فربما رغب الأمريكيون في غسل تاريخه الملطخ، وتقديمه للجمهور الغربي في ثوب مقبول. وليس أفضل لدى الغرب من الحديث عن (حرية المرأة) لتجميل الصور الشائهة للشخصيات المنحرفة، كما أنه خطوة هامة نحو صدارة المشهد السياسي الداخلي والخارجي. وكأن الدفاع عن حقوق المرأة هو مجرد (مسحوق للغسيل السياسي) وتبييض الزعامات الإجرامية والمنحرفة، وفي الأخير تبرئة الإحتلال والتلميح أو التصريح بأن الإسلام هو السبب في نكبة المرأة.

فما أن فرغت ماكينة الدعاية الغربية من صناعة المناضلة النسوية (ملاله يوسف زاى)، فرفعتها من مجرد مراهقة مشاكسة في مناطق القبائل الباكستانية، حتى أوصلتها إلى قمة المجد بلقاء ملكة بريطانيا وإمبراطور البيت الأبيض، فكانت قاب قوسين أو أدنى من نيل جائزة نوبل، لولا حداثة سنها وتفاهة حديثها سيء التلقين وبليغ الإلقاء، حتى تحولت تلك الماكينة الدعائية لتسويق حكمتيار في ثوبه الجديد، كمجاهد نسوي ومناضل في سبيل حقوق المرأة. تم تخرجه وتولى دوره الجديد في حفل ضخم أقامه المستعمر والعملاء، إحتفالاً بالمناضل النسوي الكبير في العاصمة (كابول)، وبحضور السفير الأمريكي وقائد القوات العسكرية للإحتلال الجنرال نيكلسون وأيضاً مبعوث الأمم المتحدة إلى أفغانستان.

■ في الحفل الضخم نادى الزعيم الأصولي بأعلى صوته داعيا إلى تحرير المرأة منتقدا الذين حبسوها داخل جدران البيت، قائلا أن الإسلام قد كرمها بمنحها حقوقها.

ولإثبات جدية دعواه إصطحب معه في ذلك الحفل زوجته وابنتاه، اللتان كان لهما دور في الوساطات التي أعادته إلى أفغانستان.

قد يبدو كلام حكمتيار معقولا إذا كان مأخوذا خارج سياق موقفه السياسي والعملي. فبمجرد وصوله إلى أفغانستان بدأ على الفور في أداء المطلوب منه والجهر بهويته الحقيقية التي أخفاها كل تلك السنين. في ولاية لغمان أصدر فتوى بتحريم الجهاد ضد الغزاة قائلاً: “إن الجهاد في هذا الوقت يصب في مصلحة الغير وليس في مصلحة الأفغان(!!)”. وكان من شهوده وقتها (حنيف أتمر) الجاسوس الشيوعي السابق وأحد كبار عملاء الإحتلال الأمريكي حاليا، ثم إنه مستشار (الأمن القومي) للرئيس الأفغاني (أشرف غني).

في أول خطاب ألقاه في أفغانستان قادما من باكستان، التي أرسلته كمساهمة منها لدعم الإحتلال، خطب (الزعيم) في ولاية ننجرهار مفصحاً عن هويته الجديدة (القديمة في واقع الأمر). وفي كابول نالت آراؤه إعجاب كبار ممثلي الإستعمار وكبار أذنابه، ورهط من الشيوعيين السابقين والعلمانيين الحاليين.

 

الفتنة العرقية في يد..والفتنة المذهبية في اليد الأخرى:

بطل المؤامرات والإغتيالات السابق، والمجاهد النسوي الحالي، ظهر أمام الحشد (غير الكريم) بصورة (حمامة سلام) من الطراز الأول، أو كأنه ناسك هبط للتو من صومعته فوق الجبال. فقال “الزعيم” في أحد مأثوراته الجديدة: (نريد أن ننسى كل ما مضى، ونقلب صفحة جديدة في العمل السياسي يكون فيه الميدان مفتوحاً لكل من يريد أن يعمل في سبيل إنهاء العنف وإنهاء القتال الذي يجلب كل الخراب والدمار لنا ولبلدنا).

هذه الدعوة موجهة فقط للمجاهدين وأنصارهم من أبناء الشعب، وليس لجيوش الغزو التي باتت بالنسبة لهم أمراً واقعاً خارج كل نقاش. فلا حديث البتة عن التصعيد الكبير للضربات الجوية الأمريكية التي بلغت مستويات فاقت أي معدلات سابقة. حتى سجل شهر سبتمبر الماضي أعلى المعدلات منذ سبع سنوات بتعداد 751 قنبلة أي بزيادة 50% عن الشهر الذي سبقه ــ حسب ما صرح به سلاح الجو الأمريكي قائلا أن ذلك يرجع إلى استراتيجية ترامب الجديدة التي رفعت المحظورات أمام الضربات الجوية الأمريكية.

لكن “الزعيم” حمامة السلام يمتلك برنامجاً آخر ينفذه في نفس الوقت لتسعير الفتنة العرقية بين البشتون والطاجيك، والفتنة المذهبية بين السنة والشيعة. وهكذا هي حمامة السلام من طراز حكمتيار: تحمل الفتنة العرقية في يد والفتنة المذهبية في اليد الأخرى، دعما لأمن واستمرارية الإحتلال.

إنه (مقاول فتن) وما دعوته للدفاع عن حقوق المرأه إلا وجه آخر من مشاركته في العدوان العقائدي والثقافي على شعب أفغانستان. لأنه لو كان مخلصا لتكلم عن معاناة المرأه في ظل الإحتلال الذي عصف بالشعب كله وعانى منه الفقراء والضعفاء أكثر مما عانى الآخرون. فكانت المرأة هي أكثر فئات المجتمع تضرراً. والحديث عن ذلك مؤلم ومخجل، ويظهر بالوقائع الدامغة من هم أعداء المرأة والمجتمع والدين. ولا يمكن للزعيم أن يتطرق إلى ذلك، ولن يسمح له الإحتلال، حتى لو أراد.

ــ ودعوته للسلام والديمقراطية ومشاركة الجميع ما هي إلا أضغاث أحلام، لا تقنع سكان أفغانستان الذين عايشوا الديموقراطية التي جلبها المستعمر فكانت، ومن جميع الوجوه، أسوأ بكثير من الشيوعية التي جاء بها المستعمر الذي سبقه.

في أفغانستان وحول العالم، وحتى في الولايات المتحدة، بارت سوق الديموقراطية وفقدت بريقها الكاذب. وأسفرت عن وجهها الحقيقي بعد أحداث 11 سبتمر، حين ظهرت حقيقتها: فاشية بوليسية عسكرية ــ وحشية ومنافقة ــ يخجل منها حتى هتلر وموسوليني. وقد جاءت تلك الديموقراطية مؤخراً إلى البيت الأبيض برئيس عنصري مختل عقليا، يشهد حتى مواطنوه بأنه يشكل الخطر الأكبر على بلادهم والعالم.

الزعيم “حمامة السلام”، وبعد المؤتمرات يعود إلى صورته الحقيقية، كسفاح وقاتل بالجملة في ساحات المدن والقرى الأفغانية. فأحيا أجواء الحرب الأهليه (1992 ـ 1994) التي كان نجمها الأسطع مع رفيقه وعدوه اللدود (أحمد شاه مسعود). إذ تعاونا من أجل تقسيم أفغانستان عرقيا بين البشتون والطاجيك وباقي القوميات والأعراق. ثم بين السنة والشيعة في تقسيم مذهبي إضافي، حتى تتسع المصيبة ويستحيل علاجها بدون تحطيم الوطن إلى شظايا لا حول لها ولا قوة، سوى الإستسلام للغزاة والمحتلين.

“الزعيم” يتكلم بعنف وعدوانية ضد “تحالف الشمال” الذي أسسه مسعود، قائلا أن أعضاء ذلك التحالف قبضوا على زمام السلطة في كابول منذ أن دخلها الإحتلال.

وهو كلام متطابق مع عقيدة “حنيف أتمر” الذي يشارك حكمتيار ويوجه خطواته في برامج الفتنة، بما فيها ذلك الإقتتال الذي أخذ في الماضي صورة الحرب الضروس غير المعلنه بين (الحزب الإسلامي) بقيادة حكمتيار وحزب (الجمعية الإسلامية) بقيادة برهان الدين رباني، فبدأت هذه الصورة القديمة تعود من جديد بنفس ملامحها ودمويتها، على يد بعض رموزها الكبار الذين مازالوا على قيد الحياة.

في شمال أفغانستان قام أحد القتلة التابعين لحكمتيار بإطلاق النار على رواد أحد المساجد في ولاية تخار الشمالية عند صلاة الجمعة ـ لم يكونوا شيعة كما جرت العادة ـ ولكن كانوا سنة من عرقية الطاجيك. ولكن تجرأ إمام الجمعة فانتقد الزعيم حكمتيار، فكانت المجزرة التي قتل فيها 22 مسلماً هي الجواب ـ وهذا تقليد قديم لدى القاتل المحترف قبل أن يتحول إلى صورته الجديدة كمجاهد نسوي وحمامة للسلام!!

وتوالت المجازر التي يرتكبها أتباع الزعيم في ولايات الشمال، بداية من أقصاه الشرقي في ولاية بدخشان إلى أقصاه الغربي في ولاية فارياب. فيما يبدو وكأنه تجهيز لفصل الشمال عن الجنوب بواسطة خندق من الدم المسفوح تحت توجيه الإحتلال، وبمشاركة فاعلة من “الزعيم” في طوره السلمي الجديد. وفي تلك الإشتباكات سقط مؤخراً العشرات. وشاركت داعش بهجمات ضد مساجد الشيعة في نواحي متفرقة من أفغانستان. وبهجمات على فقرائهم العاملين في بيع الخضروات في كويتا جنوب غرب باكستان قرب الحدود الأفغانية.

 

■ رتب حكمتيار لفتنة عرقية كبيرة في ولايه بلخ، بأن أرسل أحد أعوانه ويدعى (آصف مومند) الذي مكث لديه ثلاثة أشهر في كابول، يدلي خلالها بتصريحات عنيفة ضد حاكم بلخ (عطاء نور) ـ القائد القديم لدى الجمعية الإسلامية ـ ثم عاد (أصف مومند ) إلى بلخ كي يستقبله عطاء نور بأن قضم أذنه بأسنانه (!!) في وحشيه مستساغه لدى أقطاب الفتن، فمنهم مضغ القلوب والأكباد في بلاد غير أفغانية. وبعد وجبة من الضرب العنيف والإحتجاز والتعذيب، تم الإفراج عن (آصف مومند) بحالته المزرية وأذنه المقطوعة، ليثير منظره حمية البشتون الذين هبوا للدفاع عنه. ولولا العقلاء من كبارالقوم لنشبت حرب ما كانت لتتوقف إلا أن تحجز بحار الدم بين المتقاتلين.

وحاول حكمتيار إثارة فتنة أخرى مع وفد من كبار زعماء قبائل الطاجيك في ولاية بدخشان. فأهان أمامهم (أحمد شاه مسعود) متهما إياه بأنه كان عميلاً باكستانياً (وماذا عن حكمتيار نفسه؟). فثارت عصبية الطاجيك من أنصار مسعود فأهانوا رموز البشتون التاريخيين وكادت أن تنشب الحرب مرة أخرى لولا العقلاء الذين هم، ولحسن الحظ، كثيرون في أفغانستان.

واصل (حمامة السلام) طوافه بالولايات الأفغانية مشعلاً نيران الفتنة القومية. حتى وصل إلى مدينة هيرات التي استقبلته بمظاهرات عدائية ترفض وجه الفتنة القبيح. ويوم وصوله إلى الجامع الكبير في المدينة كان عدد المتظاهرين المناهضين له يفوق عدد الذين حشدهم الزعيم وحشدتهم الحكومة للترحيب والهتاف له.

بصفاقته المعهودة تقدم (الزعيم) لإمامة المسلمين في صلاة الجمعة. فتصدى له شاب من الصف الرابع للمصلين وقذفه بفردة حذاء أصابت كتفه وأصابت كبرياءه قبلها. فانهارت شجاعة الزعيم وزبانيته، فهربوا من المسجد جمعا متخلين عن صلاة الجماعة. وفي حالة الهلع تلك ظن المصلون أن هجوما “إرهابيا ” على وشك الوقوع فغادروا المسجد فوراً.

ولكن الذي حدث في الحقيقة كان هجوما أفغانياً جهادياً (مسلحا بفردة حذاء) إستهدف نهج الخيانة وصناعة “المتحولين” في أفغانستان.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق