استراتيجية الاحتلال الضائعة

موسى فرهاد

لقد استفرغ الأمريكان المحتلون قوتهم في أفغانستان، ولم يتركوا أية وسيلة وأسلحة إلا استخدموها لقهر هذا الشعب وإخضاعه، حتى أنهم جربوا “أم القنابل” على أرض أفغانستان المسلمة المضطهدة.

وتوارث الأمريكيون هذه الحرب حكومة بعد حكومة، وتغيرت خلال فترة احتلالهم لأفغانستان ثلاثة حكومات: (حكومة بوش، وأوباما، وترامب). كما أنهم غيروا استراتيجياتهم حيناً بعد حين، وأرسلوا خلال هذه الفترة الطويلة مئات بل آلافا من جنرالاتهم صغارهم وكبارهم إلى أفغانستان لقيادة الحرب؛ على أمل الانتصار فيها.

وبعد هذا كله، أخذوا يفقدون ثقتهم بأنفسهم واستراتيجيتهم يوما بعد يوم؛ لما يلاقونه من الخسائر النفسية والمالية الفادحة.

وحتى وصول ترامب إلى سدة الحكم، لايزالون منهمكين بتحضير استراتيجية جديدة للحرب، لكنهم لا يُوفّقون لإتمامها؛ فقد جربوا كل الوسائل والطرق، وكلها تحطّمت على صخرة صمود الأفغان وثباتهم.

وكان قرارهم الأخير هو الاستمرار على شن الغارات الجوية العشوائية. وتشير الأرقام الصادرة حديثاً عن سلاح الجو الأمريكي إلى أن إدارة دونالد ترامب قد ألقت نحو 1634 قنبلة على أفغانستان في النصف الأول من عام 2017 الميلادي، بزيادة بنسبة (65 في المئة) مقارنة بالفترة نفسها من عام 2016م (545 غارة جوية)، مما يمثل زيادة كبيرة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2015م (298 غارة جوية).

ومع أن الضربات الجوية تعتبر عقبة أمام تقدم المجاهدين، إلا أن أكثر ضحاياها هم المدنيين الأبرياء، فهم إما سيتعرضون للضربات الجوية الأمريكية العشوائية أو سيضطرون إلى ترك المنطقة وهجرها، وخير دليل على هذا ماحدث من قصف مدرسة للبنات في ولاية قندوز.

إن الأمريكيين يحاولون إعاقة تقدم المجاهدين بهذا الأسلوب، حيث يقصفون عامة الشعب ليضطر المجاهدون إلى الإنسحاب من المنطقة حفاظاً على أرواح المدنيين، كما حصل في مديرية تيوري بولاية غور حيث قصف المحتلون سوق المديرية ودمروا عشرات المنازل والمحلات، و كما حصل في ولاية قندوز وبغلان. وقد قام استوديو “الإمارة” بتوثيق هذه المجازر ونشر صورها وفيديوهاتها.

وما تدعيه أمريكا من تحديدها للأهداف بدقة عالية؛ كذب محض وادعاءات باطلة، يكذبها الواقع والأحداث، حتى أنهم استهدفوا عدة مرات عملاءهم الأوفياء بنيران صديقة، آخرها كان القصف الذي وقع في “غريشك” مما أدى إلى مقتل العشرات من جنودهم العملاء.

ويبدو أن المجاهدين قاموا بتغيير تكتيكاتهم القتالية إزاء إستراتيجية المحتلين وعملائهم الفاشلة ليقللوا خسائرهم ويذيقوا العدو المر العلقم في كل الجبهات.

وبإمكاننا أن نلخص هذه التكتيكات في عدة نقاط:

أولا: وسع المجاهدون رقعة عملياتهم لتشمل مختلف مناطق أفغانستان، وجهزوا نقاط عسكرية في كل منطقة تستهدف العدو وتشغله فيها كي لا يتمكن من الذهاب إلى منطقة أخرى لمساعدة القوات المحاصرة.

ثانيا: بإمكان المجاهدين شن هجمات واسعة في كل وقت وفي كل مكان، لكنهم فضلوا حرب العصابات تجنباً عن التعرض للضربات الأمريكية الجوية.

وقد نشر المجاهدون القناصين في كل منطقة، لقنص صيدهم بدقة فائقة، ويمتلكون لهذا الغرض أسلحة ومعدات حربية مؤثرة اغتنموها من المحتلين بشكل مباشر أو غير مباشر. ويتمتعون بعقيدة إسلامية وروح قتالية عالية، ولذلك لا تستطيع القوات العميلة الصمود أمامهم، بل تهرب بعد تكبد خسائر جسيمة. هذه حقيقة واقعية، وليست بدعاية، ويعترف العدو بها.

وتكبد هؤلاء الجنود خسائر في: (بدخشان، وغريشك، وشاوليكوت، جمعه بازار وكندوز) وغيرها، بأيدي ثلة قليلة من المجاهدين؛ أدل دليل على ما نقول.

ثالثا: أدركالمجاهدون أن القوات العميلة لا تسطيع الصمود أمام المجاهدين ليوم واحد بدون القصف الجوي الأمريكي الهمجي، حتى أنهم لا يستطيعون مهاجمة مواقع المجاهدين إلا إن دعمتهم الطائرات الأمريكية، ولما يحشد العدو قواته البرية والجوية لشن الهجوم على منطقة، يكثف المجاهدون هجماتهم في مناطق مختلفة.

إن موجة هجمات المجاهدين على مستوى البلد أربكت العدو وحطمت معنويات جنوده وأجبرته على دفع الثمن الباهظ، فالمحتلون لا يمكنهم إرسال الطائرات إلى جميع الجبهات، فمن الطبيعي أن يفقد العدو الثقة بين بعضهم البعض ويواجه الهزيمة والفضيحة.

كما حصل قبل أيام في هلمند، حيث حشد الصليبيون والعملاء قواتهم للهجوم على مديرية “ناوه” فاضطر المجاهدون إلى الإنسحاب من مركز المديرية، لكنهم هاجموا العدو في مختلف الولايات وحرروا عدة مديريات من سيطرته.

ويقول أحد مسؤولي الإمارة للإتصالات اللاسلكية في اللجنة العسكرية: إن المجاهدين حرروا أكثر من 170 ثكنة عسكرية من قبضة الجنود العملاء في مختلف مناطق البلد. وقد انسحب المجاهدون من مركز مديرية ناوه من أجل شدة القصف الأمريكي، لكنهم وجهوا للعدو ضربة قاسية في غريشك، وسيطروا على مديريات في فراه وباغلان وباكتيا.

ويضيف هذا المسؤول: أن عدد قتلى الجيش العميل في هذه المعارك يصل إلى المئات، بينهم عدد من المحتلين، وخسائر المجاهدين بالنسبة لخسائرهم كالعدم.

ويظهر مما سبق أن إستراتيجية العدو هي نفس استراتيجته القديمة الفاشلة الضائعة، والتي تركز على قتل المدنيين وسفك الدماء فقط، والتي بسببها لم يشموا رائحة الانتصار خلال الأعوام 16 الماضية رغم قوتهم الهائلة.

وفي المقابل، نرى علامات واضحة لمعنويات المجاهدين العالية وتكتيكاتهم القتالية الجديدة، حيث أحرقوا الأرض تحت أقدام المحتلين وعملائهم خلال أسبوع واحد، مما يبشرنا بانتصارات عظيمة وفتوحات مبينة بإذن الله في قادم الأيام.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق