قائد كتيبة إستشهادية يكتب عن ذكريات (الاستشهادي الحافظ خالد) نجل أمير المؤمنين

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الشهداء والمجاهدين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

الاستشهاد هبة من مقلب القلوب سبحانه وتعالى، يكرم بها المنعم جل في علاه القلوب الطيبة الزكية، لا القلوب المريضة بملذات الدنيا الدنية.

هذه الهبة العزيز تتولد من “أشد حباً لله” وترتقي إلى “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يشْري نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّه”.

ولا يدرك هذا السر عشاق المتاع القليل.

ولنعم ما قال الأديب الفاضل والأخ المجاهد “محمد هاشم ذاكر”:

* عجب راز دی داعجب کیف دی دا *

* څه پوهېږي پرې دا ويده دنیا *

إنه (الاستشهاد) سر عجيب، إنها كيفية عجيبة

كيف يدركها العالم النائم؟

الاستشهاد محبة.

الاستشهاد وفاء مع مقاصد الحياة، مع عهود الفطرة.

الاستشهاد حياة.

الاستشهاد فطرة.

الاستشهاد عدل.

الاستشهاد محاسبة من رب المستضعفين للجبابرة المعتدين والخونة الغادرين على دماء المظلومين.

ولكن بنية صالحة وداخل حدود الشريعة الإسلامية المطهرة، لأن فساد النية ومجاوزة حدود الشرع الحنيف تحبط الأعمال الصالحة، بما فيها الاستشهاد والانغماس في العدو، وتقع المسؤولية في هذا الصدد على عاتق منسقي هذه العمليات والأمراء، وعلى عاتق هؤلاء الذين أٌكرموا بهذه الهبة العظيمة.

إن دافع العملية الإستشهادية ليس نتيجة لعملية فكرية خاصة، ولا أثرا لعملية غسيل المخ، ولا أثرا لأدوية التخدير، ولا النفور من الحياة، ولا نتيجة للتهرب من الفقر كما يزعم الكافرون.

إنهم يريدون بنفخاتهم الشيطانية إخماد نور الاستشهاد المتلألئ والطارد لظلمات الظلم والطغيان، ولكن لن يصلوا إلى تحقيق هذا الهدف المشؤوم النجس بإذن الله.

إن وعد الله حق: (إن الله متم نوره ولو كره الكافرون).

وحتى لا أطيل عليكم، سأروي لكم قصة بطل إستشهادي هجر ملذات الدنيا وعشق الشهادة فامتطى صهوة فرسه في سبيل الله وارتقى شهيدا ونال ما كان يتمناه ويرنو إليه.

إنها قصة البطل المغوار والشبل الكرار الحافظ خالد عبد الرحمن نجل الأمير الشيخ هبة الله أخندزاده حفظه الله.

نعم، ارتقى الحافظ خالد عبد الرحمن -تقبله الله- شهيدا في سبيل الله إثر عملية استشهادية بطولية قام بها فارسنا المقدام في ولاية هلمند على قاعدة مشتركة للقوات الصليبية والقوات العميلة، نحسبه كذلك والله حسيبه.

اعتز أولياءه بهذه المفخرة العظيمة، ولكن تألموا لفراقه طبعا.

كأنهم فوجئوا بمحشر صغير!

فدق ناقوس الحزن المرير

واهتزت دعائم القلوب، وانفطرت سماوات السرور.

تنسفت جبال الهدوء وتبدد عالم الوصال.

آه!

تعالوا لنلتجئ من عالم الفراق إلى عالم الذكريات والأشواق.

إلى عالم ذكريات هؤلاء الأبطال الذين فدوا الإسلام بمهجهم وأرواحهم.

أدق مكتب الذكريات

أفتح كتاب الذكريات

أقلب الأوراق

وفي كل ورقة من أوراقها نُقشت خواطر الأبطال الفدائيين.

لا زالت تتقطر منها الدماء الحمر القانية.

آه يا ذا الجلال

لا زالت الحوريات يطلعن إلى أهل الأرض.

لا زالت صيحات التكبير ترتفع.

لا زال الأبطال يقتحمون المهالك باسمين.

لا زالت الرصاصات تستقر وتتبرد في صدور الشباب.

لا زالت الأصوات تخفت في اللهب.

لا زالت الأرواح ترتقي من ميادين البطولة إلى عليين.

وعندما تحملق عيون فؤادي في كل ذكرى، تبكيني وتؤلمني.

ها قد انتقيت ورقة زٌينت بخواطر البطل الحافظ عبد الرحمن.

إنها قصة حقيقية.

قال لي مسؤول الإتصال إن نجل الشيخ حفظه الله قادم.

فسألته مترددا أي شيخ؟

قال لي، الشيخ الأمير (أمير المؤمنين) حفظه الله.

سٌررت بهذه البشارة، حقا لقد كانت بشارة فرح عظيمة.

بشارة قدوم نجل الأمير الحبيب.

همست في أذنه وسألته لماذا يأتي؟

قال: يطلب الاكتتاب (التسجيل) في كتيبة الإستشهاديين.

أعدت السوال، أجابني بنفس الجواب.

ومع سماع الجواب خضت في تفكير عميق، وقلت في نفسي بصوت خافت: سبحان الله، نجل أمير المؤمنين يسجل اسمه في كتيبة الإستشهاديين.

فعاودني التفكير فورا، أن نجلا لأمير المؤمنين كان في انتظار للعملية الإستشهادية في كتيبة إستشهادية أخرى.

فسألته هل هو نفسه؟

فأجابني قائلا: نعم هو نفسه.

عند سماع هذه الإجابة، أخذني الفكر العميق وراودتني عدة أسئلة:

هل أمير المؤمنين وافقه على قيامه بهذا العمل؟

كيف سأجترئ لأهيئ له العملية الإستشهادية؟

كيف سنؤمن الطريق لتجنب الخطر الأمني عند القدوم؟

كيف سنتمكن من حفظ سره وأمنه؟

بأي طريقة سنقضي الوقت معه؟

تكلفية، تشريفية؟ أم بطريقة بسيطة؟

كيف سنرضيه لئلا يسخط منا؟

وكنا قد عزمنا في هذه الأيام على عقد دورة شرعية أمنية وعسكرية في المعسكر، فتجرأت طاوياً بساط هذه الأسئلة، وقررت في نفسي أن الأفضل أن يأتي ليشارك في الدورة ليتدرب جيداً، وتدبير الأمور بيد الله تجري كما يشاء، سواء أتى هنا أم بقي هناك.

وبعد مرور أيام، قال لي مسؤول الإتصال اللاسلكي يوماً: اليوم سيصل نجل الأمير إن شاء الله.

فقلت له: متى؟ قال: إلى العصر.

فكنت في انتظار على أحر من الجمر، وكاد قلبي يطير من شدة الفرح، لأني قد سمعت بشرى سارة.

وقريبا من العصر، وصل الحافظ خالد “عبد الرحمن”

وبعد ترحيب حار، أشرت إليه نحو مكاني أن تفضل واجلس هنا.

فأجابني بأدب جم بأني لن أجلس في مكانك، واجلس أنت في مكانك وأنا سوف أجلس هنا.

وبعد تبادل الأسئلة عن الحال والصحة والأوضاع بدأنا نتحدث، وكنت قد قررت في نفسي أن لا أسابقه في الكلام حول موضوع ما، وأعطيه الفرصة ليفصح عما في نفسه.

ولكن بعد كلام قليل، لم أتمالك نفسي فسألته: هل تأتيكم الأخبار عن أحوال أمير المؤمنين؟ وأخبرته أني أعلم بأنه نجل الأمير.

فدهش عند سماع هذا الكلام، وقال: لقد قلت للأخ المسؤول أن لا يعرفني إليكم.

سألته: لماذا؟

قال: لقد انتظرت في الكتيبة الإستشهادية الأخرى، وقضيت هناك وقتا طويلا، وكنت أحب أهلها، ولكن الإخوة كلهم كانوا قد عرفوني، وكانوا يكرمونني غاية الإكرام، ويتكلفون في هذا السبيل مما يجعلني في حرج، فاضطررت إلى تركها فراراً من السمعة والشهرة، لأني كنت أخاف من فساد النية، وإني أعتقد أنني مهما كنت خفيا، ومهما كان تعامل الإخوة معي عاديا سيكون أنفع لي في الآخرة.

وبعد سماع إجابته هذه، تلاشت كل الأسئلة التي كانت تجول في خاطري: لماذا فضل القدوم إلى هنا؟ وكيف يكون قضاء الوقت معه؟

فقلت له: لا تغتم، الحفاظ على أمنك، ومن عرفك إلي مهم لي جدا.

بل لو لم يعرفك إلي، لكان تحديا كبيراً بالنسبة لي. فلو لم يعرفك إلي ولم أحتط في الحفاظ على أمنك بالكامل، فعند حدوث مشكلة أمنية لرجعت العهدة علي، ولواجه المسلمون حزنا شديدا. إن العدو ماكر، وينبغي لنا أن نكون دوما حذرين.

وبهذا الاستدلال هدأ واطمأن وقال: لا تخبر الإخوة الآخرين، فإني قد ضجرت من السمعة والشهرة.

فقلت له: لن أخبر أحدا إن شاء الله.

(وعفى الله عني، لقد عرفته للإخوة الثلاثة المسؤولين؛ حفاظاً على أمنه، وأكدت عليهم أن ابذلوا جهودكم لحفظ أمنه، وأخذت الميثاق عليهم أن لا تخبروا أحداً، ولا تبيّنوا أنكم تعرفونه).

ثم سألته عن عمره، وعن المستوى العلمي الذي وصل إليه.

فقال: بأني ابن إحدى وعشرين سنة، وأني قد حفظت كتاب الله في الصغر حين كان عمري تسع سنين، حتى أنه عند حفل التخرج أخذني أحد أقاربي في حضنه، وكنت أصغر حافظ لكتاب الله بين الحفاظ الكبار، وكذلك درست العلوم الشرعية إلى الثانوية الخاصة.

سألته كيف نشأت فكرة الاستشهاد في قلبك؟

فأجابني بأني كنت منذ نعومة أظفاري، ومنذ أن عرفت الخير من الشر، كنت أعشق الشهادة في سبيل الله، حيث كنت أسمع القصص وأن الكفار استهزؤوا بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، ومزقوا كتاب الله وأهانوه، ويسيؤون معاملة الأسرى في سجن أبو غريب وغوانتانامو، وباغرام، وبول تشرخي وسجن قندهار.

وأنهم اعتقلوا أخواتنا العفيفات وانتهكوا أعراضهن، وأنهم يقتلون الأبرياء من النساء والأطفال في غاراتهم الجوية، وما إلى ذلك من الجرائم والانتهاكات.

كنت أشاهد هذه الحالة المأساوية لأمتي وأعاني حزنا شديدا، فتلتهب في قلبي نيران الثأر والانتقام من هؤلاء الكفار المعتدين، حتى ألقى الله في قلبي العزم على تنفيذ عملية إستشهادية وهكذا نشأت في قلبي هذه الفكرة.

وإني لا أملك سوى هذا الرأس الذي منحني الله إياه، وسوف أضحي به في سبيله تعالى، وسوف آخذ ثأر إخواني المسلمين المستضعفين من هؤلاء الكفار المعتدين.

وأضاف قائلا: أكثر من يثير غضبي هم هؤلاء المنافقون، لأن الكفار أعداءنا بلا شك، ولكن ويلاً لهؤلاء المنافقين يرتكبون أعمالا فاضحة ومشينة ولايخجلون في عمالتهم للكفار والمحتلين، وليست لديهم الغيرة على دينهم، ويتقدمون أمام المحتلين ويدافعون عنهم، حتى جعلوا من أنفسهم دروعا لهم.

ثم قال قل لي بصراحة: متى ستكون عمليتي؟ لأني قد جئتك على أمل أن تهيئ لي العملية الإستشهادية، وأناشدك أن لا تقف بيني وبين الشهادة في سبيل الله، فإنها من أسمى أماني.

فقلت له: إن مدبر الأمور هو الله سبحانه وتعالى، والله رؤوف بعباده وهو سيحقق أمنيتك، وأنا سأبذل كل ما في وسعي من الجهود، وسنتضرع ونبتهل إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه لا يمكن الفوز بنيل الشهادة في سبيله إلا بالتضرع والابتهال إليه جل في علاه.

ثم سألته هل وافقك والداك على هذا الأمر؟

أجابني: نعم، منذ أن نشأت لدي فكرة الاستشهاد ونضجت وقوّت من عزمي، كنت أبكي شوقا وتطلعا، وأتساءل: كيف ومتى سأحقق هذه الأمنية؟

وظلت هذه الحالة سائدة علي حتى عند قراءة الكتب وعند أداء الصلوات، وفي البداية كانت أمي تناغيني وتقول لي: واصل دروسك الآن، ولن يمنعنك أحد من الجهاد ومن القيام بالعملية الإستشهادية.

ولكن قلبي لا يصطبر ولا يطمئن فكنت أكثر البكاء، وأخيرا رق قلب أمي الحنون فقبلتني على الجبين وقالت لي: إذا وصل بك حبك لدين الله إلى هذه الدرجة؛ أن تبكي صباحا ومساء، فكيف لا نوافقك عليها؟

ولما علم والدي بالأمر، لم يمنعني بل وافقني وسمح لي بتنفيذها.

ولما التقيت به في المرة الأخيرة، وكنت قد مكثت ليالي كثيرة في البيت، وكنت أريد أن أذهب إلى معسكر للإستشهاديين، فماطلني يومين، وبعد يومين ودّعني وأعطاني كثيراً من النقود.

فقلت له: كم أعطاك من النقود؟

فقال: الفين وخمسمائة أفغانية.

وعند سماع هذا القول؛ صُدِمتُ وتعجبت وقلت سبحان الله! عجبا لقناعة أمير المؤمنين حفظه الله، يدري جيدا أن نجله لن يعود عدة أشهر إلى المنزل، وأمامه سفر طويل إلى معسكر الإستشهاديين، ورغم ذلك يعطيه هذا القدر الضئيل من النقود! نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا اتباع سلفنا في الزهد بالدنيا وملذاتها.

ثم سألته هل تلقيت تدريبا عسكريا؟

فأجابني: نعم.

سألته، أي شيء تعلمته؟

قال: الأسلحة والتكتيكات، والدروس الأمنية المختصرة والمتفجرات وكذلك شاركت في دورات شرعية.

صمت ملياً، آملاً أنه لن يخضع للتدريب العسكري مرة أخرى، لأن التدريب العسكري وخاصة التدريب البدني كالحركات الرياضية والتكيكات وغيرها تكون صعبة وشاقة على البدن.

وبالطبع الإنسان يتهرب من التدريب مرة بعد أخرى، مع أن الإستشهاديين يطيعون ولا يصرحون بالممانعة.

فسألته: هل أنت مستعد لتخضع للتدريب مرة أخرى؟ ومن الممكن أن يكون التدريب الذي ستخضع له صعباً بالنسبة للتدريب الذي تلقيته من قبل، وسيكون هناك اختبار في نهاية الدورة.

فقال لي: نعم، أنا مستعد، ولا أريد أن أضيع الوقت، أنا أعشق الشهادة ولكن الموت والحياة بيد الله، ويجب علي أن أقرأ دروساً نافعة وأتعلم أشياء مفيدة، وأسأل الله تبارك وتعالى أن لا يحرمني من الشهادة في سبيله، لأشفي غليل صدري بهؤلاء الكفار وعملائهم وآخذ ثأر الرسول صلى الله عليه وسلم وكتابنا القرآن الكريم.

ولقد سُرِرتُ بكلمته هذه التي أظهر فيها استعداده للتدريب مرة ثانية، فوضعت يدي على عاتقه، وقلت له اجتهد يا شبل في الدروس تعلم وتفقه.

ثم سألته: والداك يحبانك كثيراً أم الأخوة الآخرين؟

فابتسم قائلا: يحبون الجميع، ولكن يحبونني كثيراً فيما أظن، والأم حفظها الله تحبني حباً شديداً.

ثم سألته عن طبيعة أمير المؤمنين: هل هو لين الجانب أم هو جاف شديد؟

فقال: إن الشيخ حفظه الله سهل الأخلاق، حليم، عطوف.

ثم سألته عن كيفية تعامل أمير المؤمنين مع الإخوة وأبنائهم؟

فقال: إن الشيخ حفظه الله يحب الوئام والوفاق بين أبناء الأسرة، ولذلك نراه يحب إخوانه وأبناءهم أكثر منا ويرحمهم.

ثم سألته بما ذا يفرح أمير المؤمنين حفظه الله؟

قال لي: بإكرام ضيوفه، والشيخ حفظه الله يكون مبتهجا مسرورا في اليوم الذي أُكرم فيه ضيوفه.

ثم سألته: هل الأمير حفظه الله كثير الجلوس مع الضيوف أم قليله؟

قال: إن الشيخ يكرم ضيوفه كثيرا، وذات ليلة نزل بنا ضيوف، والشيخ حفظه الله كان قد درس القرآن الكريم وذهب لنشاط آخر، وكان تعِباً وكان من المقرر أن يترجم غدا للطلاب، ورغم ذلك كان جالسا مع الضيوف إلى السحور، ولم يهجع حتى صلاة الصبح ولا بعد الصلاة، بل أخذ يطالع التفاسير ثم ذهب إلى المسجد لإلقاء درس الترجمة.

ثم سألته: أي نوع من الملابس والأطعمة يشتهيها الشيخ؟

فقال ليس لديه طلب خاص في الطعام، يقتنع بالجاهز منه، ولم أره حتى الآن أنه اشترى قماشا وخاطه لنفسه، وتلاميذه وأقرباؤه يأتون إليه بالملابس المخيطة والجاهزة، فلا يطعن فيها بل يلبسها، ولعلكم تعلمون أن المشايخ يحبون الأبيض من الثياب.

ثم سألته: هل أمير المؤمنين يطالع كثيراً الآن أيضا؟

أجابني إن الشيخ حفظه الله لا يضيع الوقت، وعندما تراه لن تراه إلا مشغولا بإلقاء درس أو مطالعة كتاب أو عبادة أو لقاءات جهادية، لكنه يعشق المطالعة ويتعجب الناس من كثرة حبه للقراءة.

فقلت له: وفقنا الله جميعا أن لا نضيع أوقاتنا بل نستثمرها بأفضل طريقة، وأن يلقي في قلوبنا حب القراءة. وعافانا الله، لقد تركنا المشاغل العلمية، وقد شغل الناس بالجوال والتكنلوجيا الحديثة إلى حد أنهم هجروا الكتاب والقراءة.

ونظرا لحساسية الإستشهاديين حول محاولة إقناعهم لمواصلة الدروس والتخلي عن العملية الإستشهادية، قلت له بحيطة ولين: هل أشير عليك وأنصحك عسى أن لا تسخط؟

قال لي: أنا لا أسخط، قدم إلي نصائح كثيرة، فأنا بحاجة إلى نصائحكم.

فقلت له: من الأفضل أن تواصل دروسك وتخدم المجاهدين؛ لأنك نجل لأمير المؤمنين وسيجتمع عليك المسلمون، انظر إلى المولوي يعقوب والشيخ سراج الدين حقاني حفظهما الله كيف يخدمون المجاهدين لأنهم أولاد كبار الأمراء، فعليك أن تواصل دراستك لتقدم خدمات جليلة للإسلام والمسلمين. والله رحيم لن يحرمك من الشهادة في سبيله، بل سيمنحك إياها يوما ما، إن قبول الشهادة يتعلق بالنية، ودرجات الشهادة العليا يمكن اكتسابها بكثير من الأعمال الصالحة، وكيف أكرم الله أسد الإسلام أمير المؤمنين الشهيد بمنزلة الشهادة العظمى ومنحه قتلة كقتلة الإستشهاديين حيث ارتقى بصاروخ للصليبيين وتناثرت أشلاء جسده بعد ما قدم خدمات جليلة في سبيله تعالى نحسبه كذلك والله حسيبه.

وإن شاء الله سيكون أطول عنقا يوم القيامة أمام الله عز وجل وأمام الفدائيين والشهداء، وسيقدم كمثلهم جسدا ممزقا محروقا بنيران المتفجرات.

وانظر إلى قائد الإستشهاديين الحافظ بدر الدين تقبله الله، كيف أكرمه الله بالشهادة في سبيله بعدما قدم خدمات جليلة للمجاهدين والإستشهاديين وتمزق جسده بصاروخ صليبي حاقد.

فقال لي: إن كلامك صحيح، ولكني أحب الشهادة وأتمناها منذ الصغر، وقد أكرم الله الإمارة الإسلامية برجال أقوياء مخلصين سيخدمون هذا الدين، كما أن لي إخوة وأبناء عمومة سيقدمون الخدمات في سبيل نصرة هذا الدين، وأسأل الله عز وجل أن يكرمني بالشهادة في سبيل الله.

وإنني أتحرّق لسماع هذه البشرى: “إن عمليتك جاهزة “، أسأل الله أن يعجل بهذا اليوم في حياتي.

وطرحت عليه عدة أسئلة أخرى، والتي نطرحها على كل إستشهادي في البداية، لنسبر غور أفكارهم وتقواهم ومستواهم العلمي ومواهبهم وقدراتهم وعبادتهم وخصالهم.

اقترب وقت المغرب فقلت له: إنك ستذهب بعد يومين إلى المعسكر وستبدأ الدورة، وقد وصل الإخوة الإستشهاديون الآخرون، وقد انتهى وقت اللقاء بيننا، ولكن عليك أن تغير اسمك، أنا أفكر وأختار لك اسما مستعاراً.

فقلت له غدا أصبح اسمك عندنا (صديقا)، وفي السابق كان اسمك عبد الرحمن والآن أصبح (صديقا)، وكلاهما اسما صحابيين جليلين.

وبعد يومين ودعنا نحو المعسكر.

مرت الأيام وقال لي يوماً مسؤول الاتصال لقد بدأت الدورة، وبسبب بعض المشاكل تطلبت الدورة الشرعية والعسكرية وقتا أكثر مما نظن، وكنت أتفقد حاله حينا فحينا وأسأل عن أحواله من بعيد.

وبعد انتهاء الدورة الشرعية والعسكرية أرسل لي مرة أني أريد أن ألتقي بك.

فقلت لمسؤول الاتصال: قل له: فليتفضل بالمجيء.

وهذه المرة كان مكان اللقاء مغايراً، وكنت فرحا مستبشرا بقدومه، وكنت أشتاق إلى لقاءه، فشغلني عن الأعمال الأخرى فتركت جميع النشاطات وذهبت مبكرا إلى مكان اللقاء.

وهذه المرة أيضاً وصل في العصر، فسُررت بوصوله، وقد حُبب إلي لأدبه الجم، وعقله الكامل وتواضعه الشديد وحبه للشهادة في سبيل الله، وقد كان لخصاله هذه أثرا وكيفية عجيبة وجاذبية خاصة، يتحبب بسببها إلى الآخرين سريعا ويحترمونه.

وبعد ترحيب حار، سألته كيف وجدت الدروس؟ وهل كان فيها شيئا جديدا؟

فأجابني: نعم، لقد كانت فيها أشياء جديدة كثيرة بالنسبة إلي، ومن حسن حظي أني قد شاركت فيها، والحمد لله على ذلك.

ثم سألته: ماذا درست في هذه الدورة؟

قال: لم أقرأ الدورة الشرعية بالتفصيل من قبل، وقد أعجبتني هذه الدورة، ودرست فيها التوحيد، وعقيدة أهل السنة والجماعة، والسيرة النبوية، ودروسا في الجهاد تساعدنا على تفنيد الشبهات التي تثار ضد الجهاد والإمارة الإسلامية، وشيئا من فضائل الجهاد وأحكامه، وأحكام الصلاة والصيام، والأعمال المسنونة اليومية، والأدعية المأثورة والأذكار المسنونة، وغيرها من الدروس الشرعية الضرورية.

وكذلك كانت الدورة الأمنية مفصلة ومفيدة للغاية، كما تعلمت المتفجرات بالتفصيل وبشكل عملي، أسأل الله أن يجزي الأساتذة خيراً ويبارك في أعمارهم وأن يتقبل مساعيهم.

وهنا لم يتهيأ لي أن أسأله عن الاختبار وعن درجاته فيه، وسألت فيما بعد الأساتذة عنه، فقالوا: إنه برز في الاختبار، وحصل على المركز الأول في الأسلحة وعلى المركز الثاني في التكتيك والمفتجرات.

وحان وقت صلاة العصر، وجدد الإخوة الوضوء، فصلينا العصر جماعة، ثم أخذنا نتجاذب أطراف الحديث.

ثم سألته لماذا جئت؟

فقال: إن كنت تسمح لي فأنا أريد الرجوع إلى منزلي فقد طالت مدة سفري، وأحن إلى لقيا والديّ، وأحلم بهما في منامي كثيرا، ثم أريد الذهاب إلى ولاية هلمند إلى أصدقائي القدامى، وهناك مجموعة جهادية لإخواننا، فيها مجاهدون صالحون يعرفونني ويعطفون علي، وإن عشت فسأعود. وإن تجهزت لي العملية الإستشهادية فأرجو أن تصفحوا عني ولا تنسوني في صالح دعائكم وموعدنا الجنة إن شاء الله، أسأل الله أن يتقبلني شهيدا وأن يرضى عنا وأن يجمعنا في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وبقوله: إني قررت الذهاب إلى هلمند إلى أصدقائي القدماء، وقعت في فكر، ثم اطمأننت لما أضاف أن قائد المجموعة الذي نحن معه رجل صالح ويعرفني عن كثب ويكرمني غاية الإكرام.

ولما تأكدت جيداً سمحت له بالذهاب، ثم قلت له: لئن أتيت إلى هنا مرة أخرى لتدرسن حتما في مدة انتظارك للعملية الاستشهادية، والإخوة الآخرون أيضا يدرسون، وسأهتم لك اهتماما خاصا.

فضحك عند سماع هذا الكلام وأخذ بيدي وقال لعلك تريد أن تصرفني عن العملية الإستشهادية بهذه الحيلة.

ابتسمت وقلت له: لا، اطمئن، والإخوة الإستشهاديون الآخرون أيضا يدرسون، والموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى.

وبعد هذا، كنا جالسين إلى وقت طويل نتبادل الكلام.

وفي هذا الحين أتى أصحاب المنزل بالشاي الأخضر والبطيخ الأحمر، بعض الإخوة ارتشفوا الشاي وبعضهم تناولوا البطيخ، ثم أُذّن للمغرب، صلينا المغرب ثم أخذنا نتحدث همسا في جو يملؤه الإيمان والحب والإخاء، وكان قلبي لا يرتضي بالوداع سريعا، واستثقل علي وداعه، ولكن الوقت كان يمر بسرعة هائلة، وهمس الإخوة مرارا في أذني وقالوا لابد أن نترك هذا المكان.

فنهضت لوداعه بقلب منكسر وقلت له: لعل الله يجمع بيننا ثم ودعته، وحقا لقد كانت لحظة مؤلمة وعصيبة، لحظة وداع نجل الأمير الحبيب، وكنت لا أظن أن الحافظ خالد لن يعود، ليتني أدري أن هذه هي لحظة وصال الأخيرة نحو الفراق الأبدي!

ولن أنسى هذه اللحظة المؤلمة حتى الموت.

وكنت قلقا لأمنه في الطريق، وقلت لا قدر الله ماذا سنفعل إن واجهته مشكلة أمنية، وبعد مرور أيام كثيرة قال لي مسؤول الإتصال يوما، لقد وصل الحافظ خالد إلى موطنه والتقى بزملائه القدامى، سٌررت بهذه البشرى فحمدت الله سبحانه وتعالى.

 

الحافظ خالد تقبله الله قرة عين لشيخ القرآن والحديث أمير المؤمنين حفظه الله.

كان الحافظ خالد عبد الرحمن تقبله الله تقيا، عابدا متهجدا، حافظا تاليا للقرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، حييا ستيرا، ذا أدب جم وتواضع وخلق رفيع.

ويغضب إذا ما رأى أمرا مخالفا للشرع، يحب العيش الساذج البعيد عن التكلفات والتشريفات، وكان خطيبا مفوها، وعندما كان يخطب في الإخوة الإستشهاديين كان ينصحهم بترك الترف، والترجل، ويوصيهم بالإقلال من الطعام والشراب.

وقال زملاؤه: إنه كان مثالا في الإطاعة، كما كان يمدح الإخوان الذين كانوا يطيعون الأمير.

نعم، إن الحافظ خالد كان يعشق الشهادة. وإني لم أحس بالحب المفرط للشهادة والحنين إلى العملية الإستشهادية إلا في مجاهدين قلائل. وإذا كان يؤم في الصلاة كان يتلو القرآن بصوت مؤثر وحزين، ولا زالت كلماته ترن في أذني ولن أنساها.

وكان يخاف أن يرده أحد عن العملية الاستشهادية لأنه نجل لأمير المؤمنين حفظه الله، ولكن علم الله نيته وعزيمته على العملية الاستشهادية فتقبله شهيدا في سبيله نحسبه كذلك والله حسيبه.

نعم، إن الحافظ خالد عبد الرحمن -تقبله الله- كان من الرجال الصادقين، فقضى نحبه وصدق الله فصدقه.

وستصبح كل قطرة من دمائه بحرا يغرق فيه جنود فرعون العصر ودجاجلته.

كما أن استشهاده في سبيل الله سيعطي معنويات عالية لإخوانه المجاهدين تصل بهم إلى الانتصارات، وسيعززهم بفتوحات مبينة، وسيمنحهم أفراحا عظيمة.

وفي الختام، أقدم التعازي والتهاني إلى الأمير الحبيب أمير المؤمنين حفظه الله وعائلة الشهيد وإلى جميع مسؤولي الإمارة ومجاهديها وإلى المسلمين جميعا بمناسبة استشهاد هذا البطل الهمام والشبل المقدام، وأسأل الله أن يتقبله في عداد الشهداء، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان في الدنيا ويكرمهم بالأجر الجزيل في العقبى.

آمين يارب العالمين.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق