شهر من الدماء

صلاح الدین مومند

متزامنا مع شهر يونيو، مضى شهر الصيام الذي أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، شهر المواساة والعبادة والتوبة والاستغفار. لكن طوال ذلك الشهر الفضيل لم يذق شعبنا طعم الأمن والرحمة والحرية والعبادة، فخلال ذلك الشهر العظيم كانت بلادنا تحترق بغارات المحتلين ونار الكراهية والحقد، وكانت المجازر فيها تسير على قدم وساق، حتى بلغ السكين العظم. قتل المحتلون الشعب الأعزل حتى أنهم لم يستثنوا عملائهم، فعلى سبيل المثال : قُتِل 12 من رجال الشرطة، وأصيب اثنان آخران بغارة أمريكية على مواقع الشرطة في ولاية هلمند. وقد أصدرت قيادة القوات الأمريكية في كابل بياناً جاء فيه: “نعرب عن تعازينا القلبية لذوي الضحايا من رجال شرطة حرس الحدود ونواسي المصابين”، هكذا بدم بارد عادت المياه إلى مجاريها. وخلال أسبوع فقط، قُتِل أكثر من ثلاثين من عناصر الجيش الأفغاني في ولاية قندهار وهلمند بغارات الاحتلال أو في نزاعاتهم. وفي أولى أيام ذلك الشهر المبارك أشعلت “مفخخة” الحي الدبلوماسي في كابول، وقتلت 150، وهز الانفجار بقوته جزءًا كبيرًا من المدينة، وأدى إلى حالة هلع بين السكان. ومن المعروف أن الحي الدبلوماسي يحظى بأفضل حماية أمنية في البلاد. وتضررت حوالي عشر بعثات دبلوماسية من جراء الانفجار، وكان هناك أكثر من عشرين من موظفيها في عداد القتلى أو الجرحى.

ثم جاءت احتجاجات من بعض أهالي كابول تنبئ بالغضب وعدم الرضا عن هذه الحكومة التي أتى الاحتلال بها لخدمة نفسه ولم يأت بها للأمن والاستقرار، ولا لسيادة القانون ومكافحة الفساد، بل إنه جعل الفساد يتأصل ويتفاقم في حكم عملائه وتنتشرانتهاكات أخلاقية ولاسيما انتهاكات حقوق الإنسان. وإن نعراتهم التي كانوا ينادون بها من استتباب الأمن والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وتوفير فرص العمل، ذهبت أدراج الرياح، حيث تحولت الديموقراطية إلى حكم جوقة من الفاسدين والمرتشين العملاء لا يستطيعون فعل شيء تجاه البلاد والعباد. ونحن جميعا نعلم أن كل سفينة تحتاج إلى ربـّان واحد فقط كي يسيرها ويدير أمورها للوصول بها إلى بر الأمان بقوة الشراع والاخلاص. ولو وجدت سفينة بربـّانين، ولا سيما إذا كانا عميلين للاحتلال، فسيكون هناك اختلاف بينهما في تسيير أمور هذه السفينة؛ لأنه سيكون لكل واحد منهم رأي مغاير عن الأخر، مما يقود السفينة إلى الغرق والهلاك !.

 

نعم زادت حدة غضب سكان كابول بعد اعتداء الشاحنة، وخرجوا مطالبين الحكومة بطرد المسؤولين الأمنيين. وفي نفس الوقت مستنكرين على الحكومة التي تواجه الكثير من التحديات والمشكلات الأمنية والأزمات الاقتصادية التي تفاقمت بسبب الفساد المالي والإداري والخلافات السياسية بين رباني السفينة التي شارفت علي الغرق. ويتساءل الشعب كيف لم تتمكن أجهزة الاستخبارات من منع الشاحنة المفخخة من الدخول إلى حي محصن بحواجز أمنية وحراس متدربين!؟ وتجمع المتظاهرون قرب موقع الانفجار ورددوا هتافات مناهضة للحكومة، وأكدوا أن التجمعات ستتواصل إلى حين استقالة الرئيس أشرف غني ورئيس السلطة التنفيذية في البلاد عبدالله عبدالله. وقال بعض المتظاهرين: «يوماً بعد يوم، يتعرض مدنيون أبرياء للقتل… إذا لم يكن بوسع قادتنا إحلال الأمن، فعليهم الاستقالة».

وردت الشرطة بإطلاق النار واستخدام خراطيم المياه عندما حاول بعض منهم تجاوز الطوق الأمني. فقتل أربعة أشخاص خلال مواجهات بين قوات الأمن وجموع غاضبة كانت تطالب باستقالة الحكومة. وساد توتر شديد في العاصمة حيث أطلقت الشرطة الرصاص الحي لتفريق مئات المتظاهرين الذين كانوا يحاولون التوجه إلى القصر الرئاسي. وقتل منهم من قتل.

وبعد ذلك بأيام قتل سبعة أشخاص وأصيب العشرات بجروح إثر تفجيرات وقعت أثناء تشييع جنازة نجل سياسي قتل خلال المظاهرة آنفة الذكر، ورفعت عمليات القتل الأخيرة عدد القتلى إلى المئات في أول أسبوع من شهر الصيام، وفي إحدى أسوأ موجات العنف التي ضربت العاصمة منذ أعوام، حيث وقعت ثلاثة انفجارات متتالية أثناء دفن سليم ايزد يار، الذي قتل إلى جانب ثلاثة آخرين خلال مواجهات بين قوى الأمن ومتظاهرين، وتناثرت الأطراف البشرية في المقبرة، حيث قال أحد شهود عيان إن “الناس تناثروا أشلاء”. ونُقلت سبع جثث و119 جريحا إلى المستشفيات. ايزديار هو نجل أحد أعضاء مجلس الشيوخ النافذين، وقد حضر تشييع جنازته مسؤولون حكوميون بينهم رئيس الوزراء عبدالله عبدالله ووزير الخارجية صلاح الدين رباني اللذان لم يصابا بأذى ولم تعلن أي جهة بعد مسؤوليتها عن الهجومين، فيما نفت الامارة الاسلامية تورط أعضائها في مثل هذه التفجيرات، ونددتها.

و قتل ما لا يقل عن 6 مدنيين عزل بعد أن فتحت قوات أمريكية النار عليهم في أعقاب انفجار قنبلة بمركبتهم كانت مزروعة على الطريق. كما قتل رجل وابنيه في منزلهم في منطقة غني خيل الواقعة في جنوب ننجرهار. وبعد أيام معدودة قتل 7 أشخاص وأصيب 16 آخرين في انفجار دراجة نارية أمام مسجد في ولاية هرات، ووقع الانفجار في حوالي الساعة الثالثة عصرا، بالقرب من البوابة الشمالية، وقد اشتعلت النيران بعدد من الدراجات النارية في موقف خارج المسجد. وقتل ستة أشخاص كما أصيب أيضا ثمانية على الأقل عندما فجر داعشيون أنفسهم في مطبخ مسجد الزهراء في منطقة دشت برشي بكابول بعد أن منعتهم الشرطة من دخول المبنى الرئيسي المكتظ بالمصلين. ووقع الاعتداء بينما كان المصلون يستعدون للصلاة. وتبنى تنظيم “الدولة الإسلامية” هذا الاعتداء الجديد. وكان يستهدف المناطق الشيعية بشكل متكرر في الماضي.

 

كما أن هذا الشهر لم يمر على العملاء والغزاة مرور الكرام، فقد قتل 13 من عناصر العدو على الأقل في أول أيام الشهر في تفجير بسيارة مفخخة استهدف مجموعة مسلحة ممولة من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي ايه” في مدينة خوست. كما قتل جنديين أميركيين وأصيب آخران خلال إطلاق نار في منطقة آشين ننجرهار بنيران صديقة – كما يقولون- وذكر المتحدث باسم الامارة ذبيح الله مجاهد في بيان أن المنفذ هو أحد مسلحي الإمارة تسلل إلى صفوف القوات الخاصة في الجيش. ثم أكدت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) مقتل ثلاثة جنود بالرصاص وإصابة اثنين جراحاتهم بالغة في ننجرهار، وذلك في سلسلة “الهجمات من الداخل”. كما قتل ثلاثة من قوات الناتو بعد يوم فقط نتيجة انفجار قنبلة مزروعة في الطريق. وفي نفس المحافظة، قتل أربعة جنود أمريكيون بالرصاص في هجوم داخلي نفذه جندي أفغاني مجاهد بتاريخ 17 يونيو، في قاعدة بمحافظة بلخ، وقال المتحدث باسم الفيلق 209: “قتل جندي أفغاني بالرصاص، أربعة جنود أمريكيين، داخل القاعدة”. وهذا الهجوم أيضا يعد هجوم (الأخضر على الأزرق) الذي ينفذه المجاهدون في داخل الجيش ليل نهار. وعلى صعيد متصل، قُتل وأصيب العشرات من العدو عندما هاجم الاستشهاديون مقرا للشرطة في بكتيا يوم الأحد 18 يونيو. وأعلنت الإمارة مسؤوليتها عن الهجوم، حيث فجر استشهادي السيارة الناسفة واقتحم أربعة آخرون المقر بعد الانفجار، وقال أطباء في مستشفى بالمدينة إن عشرات قتلوا كما أصيب 30 آخرين من عناصر الشرطة.

 

هذا ماحصل ميدانيا. وهناك سيناريو يقول أن دونالد ترامب أمر بإرسال أربعة آلاف من القوات إلى أفغانستان. في حين اعترف وزير الدفاع الأميركي، جيم ماتيس، إن الولايات المتحدة لا تحقق نصراً في أفغانستان، محذراً في الوقت نفسه من أن حركة طالبان تحقق تقدماً هناك. وقال قبل ذلك للمشرعين: “نحن لا نحقق انتصارات في أفغانستان في الوقت الراهن…” وفي السياق نفسه كتبت “تورونتو ستار” الصحيفة الكندية افتتاحيتها تحت عنوان: “المزيد من القوات ليس حلاً للفوضى الأفغانية”. هكذا عنونت افتتاحيتها مشيرة إلى أن التفجير الانتحاري الذي وقع في كابول وأودى بحياة 150 شخصاً وتسبب في إصابة 400 آخرين، يعد الأكثر دموية في حرب تتراجع درجة وضوح أهدافها عاماً تلو الآخر. وحسب الصحيفة، فإن الحرب الأفغانية التي اندلعت عام 2001م، أودت بأرواح عشرات الآلاف من المدنيين، وسقط خلالها آلاف من القتلى في صفوف قوات «الناتو»، من بينهم 158 كندياً. الحرب شردّت ملايين الأفغان، وبلغت تكلفتها تريليونات الدولارات. وبعد هذا كله، ما هي المكاسب التي تحققت؟ للأسف ينتشر “التمرد” الآن في نصف أفغانستان. ورأت الصحيفة، أنه يتعين على قادة دول «الناتو» التفكير جيداً في ما إذا كان من المجدي زيادة القوات الأجنبية في أفغانستان بعد حرب ناهز عمرها 16 عاماً، ولم تحقق الأهداف المرجوة منها؟ وهل بمقدور آلاف قليلة من القوات تحقيق تغيير واضح في المشهد؟ وإذا كان الحلف سبق وأن نشر قرابة 100 ألف جندي في أفغانستان، فإن هذا يعني أن المزيد من القوات لن يؤثر لجلب الاستقرار المفقود في البلاد. وحتى إذا كان الهدف من زيادة القوات؛ تدريب المزيد من قوات الأمن الأفغانية، فإن عمليات التدريب لم تسهم في تجهيز القوات الأفغانية التي تحارب المقاومة المسلحة تتفوق عليها في القدرات، والسبب يمكن في الفساد الحكومي. وليس واضحاً ما إذا كان المزيد من التدريب سيعالج جذور الأزمة أو الوعكة التي يعاني منها الجيش الأفغاني؟

 

ونحن نقول إن الفراعنة لا يعلمون ما تصنعه العقيدة الإيمانية الراسخة والإرادة الصلبة للشعوب المسلمة تجاه الغطرسة والعدوان، فلذك تمضي حياتهم في عمي وعمه ولات هناك ساعة مندم. إن الله يريد غير ما يريد فرعون، ويقدر غير ما يقدر الطاغية. والطغاة البغاة تخدعهم قوتهم وسطوتهم وحيلتهم، فينسون إرادة الله وتقديره، ويحسبون أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون، ويختارون لأعدائهم ما يشاءون. ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون.

فنحن الأفغان رأينا هذه الإرادة الالهية الفائقة التي كانت قدرنا طول جهادنا ضد الطغاة والمعتدين. فعندما بدأت الحرب من قبل الطغاة الآمريكيين وحلف الناتو علينا في أكتوبر 2001م وشنت السفن والطائرات العسكرية الأمريكية على إمارة أفغانستان الإسلامية موجات من الغارات الجوية تحت مزاعم وهمية لمكافحة الارهاب، قصفونا بكل الوسائل (طائرات ودبابات، وقنابل 15 ألف رطل، وصواريخ، وقنابل عنقودية)، ثم قررت قوات الإمارة أن تغير تكتيكات المواجهة، فانسحبت من المدن ومارست حرب العصابات وقال واحدهم: أنا الغريق فما خوفي من البلل!

وانقضت السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام. دمرالاحتلال بلادنا ستة عشرعاماً بأيدي بوش الإبن ومن بعده أوباما واليوم الطاغية ترامب سيدمرها دون مبرر يذكر، ولكن سيكون النصر حليفنا بإذن الله.

فتربصوا إنا معكم متربصون!

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق