شهداؤنا الأبطال: قاهر الصليب، الشهيد الحاج عبدالله رحمه الله

حبيب سمنجاني

 

يقول صاحب الظلال رحمه الله: (مضى الشهيد، وهو في القمة، بدوي هذه الصرخات وكأنه كان يرى رأي العين المصير العملاق الذي ينتظر المسؤول العملاق، وأن هذا المصير ليس موتاً ولا نهاية خاسرة، ولكنه حياة وانتصار. إن الناس جميعاً ينتصرون يموتون، وتختلف الأسباب. ولكن الناس جميعاً لا ينتصرون هذا الانتصار، ولا يرتفعون هذا الارتفاع، ولا يتحررون هذا التحرر، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى هذه الآفاق. إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده، لتشارك الناس في الموت، وتنفرد دون الناس بالمجد. المجد في الملأ الأعلى وفي دنيا الناس أيضاً، إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الأجيال بعد الأجيال.

مضى الشهيد وحده في تجربة الإنسان المسؤول. كان عليه أن يعاني هذا التجربة، كان عليه من أول يوم أن يمد ساعديه لينتشل أولئك الذين يتخبطون في الظلمات، المنتكسون في حمأة عمر محدود، مليء بالجيف المنتنة والأحوال. واهتمامات تفاهة محدودة، تبدأ بالنزوة الطائشة العابرة، وتنتهي بالطغيان.

وكان من التناقض المحزن، ومن صميم المأساة والفجيعة، أن يموت الشهيد كما يموت الناس، آنذاك كانت مآقينا ستمتلئ بالدموع، وقلوبنا ستفتت لأن نهايته لم تكن كفؤ حياته. حياته التي ذاق فيها كل أنواع العذاب والقهر، وشرب من كؤوسها كل مر وعلقم، ولكنه ارتفع على العذاب والقهر، وهان عليه المر والعلقم لأنه كان أوقى من ذلك كله، وأسمى من ذلك كله، وهو الذي ما فارق القرآن وعيه ووجدانه لحظة. أفيموت كما يموت الناس؟ كنا سنتألم من الأعماق لو مات الشهيد كما يموت الناس وكما يموت جلادو الناس.

ولكن نهايته كانت من ذلك النوع العنيف السريع الرهيب، الذي يجري دائماً في الليل، كانت نهايته كتلك التي عرفها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، في فجر المعركة بين الجاهلية والإسلام، بين المسؤولين عن أداء الأمانة الإلهية والمتهافتين في الظلمات. كانت نهايته كتلك التي عرفها من بعد، وسيعرفها دائماً، مئات من الذين أعلنوا لحظة مسؤوليتهم: الإسلام أو الجاهلية، دونما تنازل أو هدنة أو هروب. أفلا يطمع إنسان مسلم أن يلتقي بعد حياة حافلة بالإرهاق والجهد والمطاردة بعمر وعلي ومن لحقهما على الدرب وعانقهما في المصير؟ بلى. لقد شارك الشهيد الناس في الموت، ولكنه تفرد من دونهم بالمجد، المجد في الملأ الأعلى وفي دنيا الناس.

وتمر أمامنا الآن ونحن نقرأ كلماته، صور المهزومين الذي آثروا الحياة على الإيمان، ولم يكتفوا بالهروب والتنازل عن المسؤولية، ولكنهم وهبوا قواهم الهزيلة التافهة لحياة هزيلة تافهة، بلا عقيدة ولا حرية! هنالك في الدرك الأسفل، حيث يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد.

ولكن الشهيد يشيح، وهو في عليائه، عن هؤلاء الصغار الذين يركضون هنا وهناك؛ يصرخون فلا تُسمع صرخاتهم، ويسبون فلا تأبه لسبابهم، وينزون حقداً وجبناً فلا يُرى هذا النزير الأصفر القذر. فقد كان الشهيد وأمثاله المتأخرون يستشرفون آفاقاً أخرى. آفاقاً بعيدة الحدود، هي التي تزن الإنسان وتعطيه قيمته، وتضعه موضعه الحق في هذه الحياة الدنيا، لذا نجدهم يشيحون ببصرهم عن أولئك الصغار الذي يضطربون عند الأقدام كالحشرات، ولا يتكلم الشهيد إلا عن الكبار الذين عرفوا النصر لما تذوقوا مسّ النار. إنه معنى كريم جداً، ومعنى كبير جداً، هو الذي ربحوه وهم بعد في الأرض، ربحوه وهم يجدون مسّ النار، فتحترق أجسادهم الفانية، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار.

أفلا يحق لهم ـ وهم في خضم النار ـ لا يلتفتون، ولو لحظة واحدة، إلى أولئك الذي يجأرون ويتقيأون حقداً وتملقاً وجبناً؟ (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) (يوم يخرجون من الأحداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون، خاشعة أبصارهم، ترهقم ذلة، ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون).

فالمعركة إذن لم تنتهِ، وخاتمتها الحقيقية لم تجيء بعد، والحكم عليها بالجزء الذي عرض منها في الأرض حكم غير صحيح، لأنه حكم على الشطر الصغير والشطر الزهيد. ستظل المعركة التي وهبها الشهيد وإخوانه حياتهم، دائرة بين الحق والباطل، والإسلام والجاهلية، والعقيدة والضياع، والإيمان والكفر، والارتفاع والهبوط، والقيم العليا والأهداف السافلة، والآفاق الممتدة في أعماق الزمان والمكان والحدود الضيقة التي تخنق الحريات وتكتم الأنفاس. بين التضحية والأنانية، والحب والكراهية، والعدالة والظلم، والجمال والقبح، والسعادة والشقاء، والإحسان والجريمة، والتحرر والطغيان. ستظل هذه المعركة الواحدة دائرة على أرض واحدة لتحقق الهدف الواحد، وهو انتصار الإسلام على الجاهلية، والنفوس الكبيرة على النفوس الحقيرة، وحكم الله على حكم العبيد).

 

ونعيش في هذه السطور المتواضعة مع شهيد عبقري من أبطال الإسلام وشجعان الإمارة الإسلامية على ثرى الأفغان وهو الشهيد -كما نحسبه والله حسيبه- البطل المقدام، والليث الهصور الحاج عبدالله رحمه الله.

أبصر الشهيد النور عام 1968م، في منطقة جردنده بمديرية تاله وبرفك بولاية بغلان، فنهل العلوم الابتدائية في قريته لدى إمام حيه، ثم اشتغل في حرفة الحدادة حتى حذق فيها كما كان فلاّحاً ناجحاً، وكان دمث الخلق.

وكان رحمه الله آية من آيات الله في القناعة، والتقشف والتوكل والتواضع ومكارم الأخلاق، قليل الكلام. ساهم في الجهاد ضدّ السوفييت والشيوعيين، ولمّا زحف الصليبيون بزعامة أمريكا إلى بلاد الإسلام، وبدأت مقاومة المجاهدين بزعامة الإمارة الإسلامية أمام هذا الزحف الهائج المائج، كان رحمه الله من السابقين الأولين في الدفاع عن عقيدته وإسلامه ووطنه وشعبه، وسعى لتوفير خدمات المجاهدين ومساعدتهم، حيث آواهم وأيدهم، وزوّدهم بالطعام والشراب، وأخذ ينقل للمجاهدين المتفجرات أينما شاؤوا.

وكان للشيهد الباسل دورٌ مرموق في جميع عمليات ولاية بغلان، لاسيما في العمليات الواقعة بمديريتي تاله وبرفك بولاية بغلان، بالإضافة إلى العمليات الناجحة في السنوات الأخيرة في ولاية باميان، نذكر إحدى على سبيل المثال لا الحصر:

هجم الصليبيون والعملاء بتاريخ 4/8/2012م على منزل الشهيد الحاج عبدالله بمنطقة بابه من ضواحي دره شكاري بمديرية غندك بولاية باميان، ولكنهم فوجئوا بمقاومة شرسة من قبل الشهيد، ومع أنّ الشهيد رحمه الله كان يقاتل لوحده، إلا أنه تمكّن من قتل ما لا يقل عن 10 جنود نيوزلنديين، وعلاوة على ذلك، تمكّن من قتل 18 من جواسيس الإدارة الأمنية العميلة بما فيهم الضباط، كما جرح 6 من المحتلين و8 من العملاء أيضاً في هذه العميلة البطولية. فقُذِف الرعب والهلع في قلوب العدوّ، وبعد تكبده خسائر فادحة؛ هرب من المنطقة وأخرج وجهاء القبائل لانتشال جثث جنودهم النتنة التي بقيت على ثرى المعركة. يُذكر بأن هذا الهجوم يُعدّ الأكثر دموية  للجنود المحتلين في ولاية باميان، خلال عمليات الفاروق.

وقال رئيس الوزراء في مؤتمر صحافي أنه: «يوم مأساة كبيرة». وأضاف: «بالنسبة لنيوزيلندا البلد الصغير، فإن فقدان سبعة من رجالها ثمن هائل تدفعه. إنه يزيد المخاطر التي تواجهها قواتنا يومياً خلال عملها بلا كلل لإعادة الاستقرار إلى الولاية».

وقال رئيس قوة الدفاع اللفتنانت جنرال ريس جونز: «نشعر بحزن عميق لهذه الخسارة. وأعبر باسم قوة الدفاع النيوزيلندية عن تعاطفي مع عائلات الجنود وزملائهم ورفاقهم».

ولا يُنسى بأنّ العدوّ تظاهر بأنّ هؤلاء الجنود قُتِلوا في قتال لهم مع جماعة كبيرة من المجاهدين، وادعى العدوّ في وسائل الإعلام عن تكبّد المجاهدين خسائر فادحة في هذه العملية. في حين أنّ الشهيد الحاج رحمه الله كان وحيداً فريداً في هذه المعركة المباركة.

وهاجم المجاهدون بقيادة الشهيد البطل الحاج عبدالله بتاريخ 21/5/2016م إحدى مقرات العدوّ في منطقة تشراي سنجبر بمديرية غندك بولاية باميان، ففتحوا الثكنة ثم أحرقوها، وخلال ذلك قتلوا 6 من الجنود وجرحوا 6 آخرين. وبعد ذلك أرادت قوات الإمداد أن ينقذوا أفرادهم فوقعوا في كمين للمجاهدين في منطقة طاقه دكان بنفس المديرية، فاندلع الاشتباك، ودُمرت دبابة للعدوّ، و3 سيارات أخرى من نوع رينجر، وكذلك سيارة إسعاف للعدوّ، وسقطت سيارة أخرى في النهر، وقُتِل 15 من الجنود العملاء. وفي ذلك اليوم قُتل ما لا يقل عن 27 من أفراد العدوّ في كلا المعركتين.

وعُيّن الشهيد منذ عامين مديراً من قبل الإمارة الإسلامية لمديرية سيغان، وكان يبذل الغالي والنفيس في سبيل الله، وبعدما ضرب أروع الأمثلة في البطولة والإقدام، آن الأوان أن يستريح، ففي 28 من شهر جمادى الأولى 1438هـ.ق الموافق 25 من فبراير 2017م كمن الشهيد للعدوّ في منطقة تشراي سنجبر بمديرية غندك بولاية باميان، وقتل في ذلك الكمين قائداً كبيراً للعدوّ وهو القائد السيد (إسماعيل الهاشمي) مع 3 رفاقه، وبعد انتهاء المعركة، استشهد البطل الشهيد برصاص جندي جريح (قُتِل فيما بعد)، ففاضت روحه إلى بارئها. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

يقول الشيخ برهان الدين -والي إمارة أفغانستان الإسلامية لولاية باميان- حول شخصية الشهيد رحمه الله: لقد تعرفت على الشهيد الفقيد، الغازي الحاج عبدالله بواسطة الشهيد الفقيد البطل القارئ عزم الدين عام 1426 هـ.ق، ووعدني بأداء فريضة الجهاد في سبيل الله معي، وأنا أشهد بأنني لم أرى من هذين البطللين طوال هذه الفترة إلا الصداقة والأمانة والوفاء والشراسة في القتال والإقدام، والهروب من السمعة والرياء، ولقد لقّنا الأعداء المحتلين دروساً لن ينسوها، فرحمهما الله رحمة واسعة، وأسكنهما فسيح جناته.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق